مع اقتراب موعد 29 أيار، حيث يُفترض أن يُعقد الاجتماع الأمني بين وفدين عسكريين لبناني وإسرائيلي برعاية أميركية، يتقدّم مشهد شديد التعقيد في لبنان. المفاوضات التي دخلت جولتها الثالثة، غير منفصلة عن التصعيد الميداني الإسرائيلي المستمر، بل تجري تحت ضغط النار، وهو ما سيستكمل في الاجتماع المرتقب نهاية الشهر، في ضوء الضبابية التي تتحكم بمهمة المسار الأمني في مفاوضات واشنطن، والتخوف مما سيتم التوصل إليه في الاجتماع، خصوصاً بما يحكم عمل الجيش اللبناني من جهة، وأي مهام تنسيقية ستكون بين المتحاورين في موضوع سلاح حزب الله، من جهة ثانية. فإسرائيل تريد من خلال الاجتماع الأمني تحقيق آلية مراقبة لها أقوى من قبل، وأن تحافظ على حرية حركتها وعملها في الجنوب، بينما واشنطن تريد نتائج عملانية من الجانب اللبناني بخصوص السلاح وانتشار الجيش جنوباً. وأمام هذا الواقع، تكثر الأسئلة حول المرحلة المقبلة: ماذا سيكون موقف “الثنائي الشيعي” إذا انجرّ لبنان إلى خيار اتفاق أمني مع إسرائيل؟ هل تبقى المواجهة ضمن السقف السياسي؟ أم أن الخيارات قد تذهب نحو الشارع أو حتى الانسحاب من الحكومة؟ وما هي السيناريوهات الممكنة بين الآن وموعد 29 الشهر؟
مقاربتان مختلفتان لدى حزب الله
يتصاعد الجدل الداخلي حول موقف الثنائي الشيعي من هذا المسار، خصوصاً مع اللهجة التصعيدية التي حملها كلام النائب حسن فضل الله، أمس، والذي رغم إشارته إلى الاستعداد للنقاش مع رئيس الجمهورية جوزاف عون في الملفات المطروحة، وتكليفه من قبل حزب الله بهذه المهمة، قال “الجيش اللبناني جيش وطني وإذا أنشأ الأميركيون جيشا مهمته قتال حزب الله سنقاتله كما نقاتل الجيش الاسرائيلي”.
وفي ضوء الضبابية التي تحيط بالمهمة الأمنية المنبثقة عن مفاوضات واشنطن، تقول مصادر مطلعة لـِ “المدن” إنَّ “حسابات حزب الله قبل انطلاق هذا المسار ليست كما بعده. فالمواجهة بالنسبة إلى الحزب لا تزال قائمة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتعلق بحدود هذه المواجهة وإلى أين يمكن أن تصل، خصوصاً إذا ما دفعت الضغوط الدولية لبنان نحو اتفاق أمني مع إسرائيل”. وتشير المصادر إلى “وجود مخاوف جدية داخل بيئة الحزب من طبيعة التفاهمات التي قد تُطرح خلال الاجتماع الأمني، لا سيما ما يتصل بإمكانية إنشاء ألوية أو مجموعات تساند الجيش اللبناني في التعامل مع ملف حزب الله وسلاحه، وهو ما يضع المؤسسة العسكرية والدولة اللبنانية في موقع بالغ الحساسية والإحراج”.
ووفق الشواهد والتجارب السابقة، لا تستبعد المصادر أن يؤدي أي اتفاق قد يُطبخ في واشنطن إلى إسقاطه في الداخل اللبناني، سواء سياسياً أو شعبياً، خصوصاً أن أي تفاهم من هذا النوع يحتاج عملياً إلى غطاء حكومي ومسار دستوري يمر عبر مجلس النواب، ما يفتح الباب أمام اشتباك سياسي داخلي واسع.
وتلفت المصادر إلى أن “موقف حزب الله لا ينفصل عن حسابات رئيس مجلس النواب نبيه بري، في وقت تظهر داخل الحزب مقاربتان مختلفتان. الأولى تعتبر أن الصبر على أداء السلطة لم يعد مجدياً، وأنه يجب التصدي لأي خطوات أو تنازلات قد تُفرض تحت الضغط الأميركي. أما الثانية، فتميل إلى التروي، مع رهان لدى هذا الفريق على أن المفاوضات لن تصل في النهاية إلى نتائج حاسمة”. وترى المصادر أن هذا الموقف “يفتح الباب أمام احتمالات داخلية معقدة، تبدأ من التصعيد السياسي ولا تنتهي عند احتمال النزول إلى الشارع، في ظل استمرار الغموض بشأن طبيعة التفاهمات الأمنية التي قد تُطرح بعد انتهاء مهلة الهدنة”.
لإطلاق مبادرة من قبل عون
على مستوى الحليف الشيعي الثاني، يقرأ عضو المكتب السياسي في “حركة أمل” حسن قبلان في خلفيات وتداعيات المفاوضات الأمنية التي ستحصل في 29 أيار، مشيراً في حديث مع “المدن” إلى أنّه “لا مؤشرات حتى الآن بأنّ هذا المسار من المفاوضات عموماً سيؤدي إلى النتائج المرجوة أقلّه من قبل الحكومة والعهد”. واعتبر أن أي عملية تفاوضية بين طرفين متحاربين يفترض أن تترافق مع نوع من التهدئة أو إعلان نوايا، بينما الاعتداءات الإسرائيلية في لبنان لا تزال مستمرة تحت عنوان تمديد الهدنة. فأي هدنة نتحدث عنها؟
ويعتبر قبلان أنّ التهديدات الأخيرة وإخلاء عدد من البلدات يعنيان أن مساحة التهديد الإسرائيلي تتوسع، ما يلغي عملياً أي حديث جدي عن تهدئة. وأضاف أن “التفريط بعوامل القوة في لبنان أمر خطير”، معتبراً أن لبنان لا يمكن أن يذهب إلى التفاوض من دون سكّينٍ، في حين أن إسرائيل مدججة بالسلاح ومدعومة أميركياً، وكلنا شاهدنا ولا زلنا ما حصل في غزة”. ويعود قبلان بالحديث إلى صورة المفاوضات الأولى، معتبراً أنّ “لبنان قدّم تنازلات كبيرة من دون أن يحصل على أي مقابل سياسي أو ميداني، لا على مستوى الانسحاب الإسرائيلي ولا وقف إطلاق النار ولا حتى ملف الأسرى، مشيراً إلى أن كل خطوة لبنانية، أقله صورة السفيرة ندى معوض مع السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، كان يجب أن يقابلها تنازل إسرائيلي، بل على العكس كانت تقابل بمزيد من التشدد الإسرائيلي”.
فماذا لو فُرض على لبنان اتفاق أمني مع إسرائيل يقضي بالانسحاب ووقف إطلاق النار مقابل نزع سلاح حزب الله؟ يشدد قبلان رداً على هذا السؤال بأنّ “قضية السلاح يجب أن تبقى شأناً لبنانياً داخلياً بعيداً من الإملاءات الأميركية”، داعياً الرئيس جوزاف عون، “بحكم خلفيته العسكرية والأمنية، إلى إطلاق مبادرة داخلية لمعالجة هذا الملف”. وحذر قبلان من “الدفع نحو اتفاقيات أو ترتيبات أمنية قد تؤدي إلى انقسام داخلي”، مؤكداً الثقة بالجيش اللبناني، لكنه اعتبر “أن الحديث عن أي تنسيق مع إسرائيل في الظروف الحالية يضع لبنان أمام مخاطر كبيرة”.
وعن احتمال ذهاب الثنائي إلى خيارات تصعيدية، كالنزول إلى الشارع أو الانسحاب من الحكومة في حال الوصول إلى مسار أمني مع إسرائيل، اكتفى قبلان بالقول إنه “من المبكر البناء على أمر لم يحصل بعد، مع تأكيده الثقة بأن رئيس الجمهورية لن يقدم على أيَّة خطوة تؤدي إلى انشقاق داخلي أو إلى إدخال لبنان في متاهة كبيرة تحت ضغط المفاوضات”.
وبين ضغوط واشنطن وتصعيد إسرائيل، يبدو أنّ المسار التفاوضي لا يُقارب داخلياً بوصفه مجرد ترتيبات لوقف النار، بل كمدخل محتمل لإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في البلاد، خصوصاً بما يتصل بسلاح حزب الله ودور الجيش اللبناني.
