الأربعاء 20 مايو 2026

منذ المشهد الأول وحتى المشهد الأخير، يعيش مشاهد الفيلم الكوري “الأمل” حالة شديدة من اللهاث خلف الأحداث والشخصيات التي تتحرك داخل قرية كورية صغيرة، تعصف بها أحداث غامضة تقلب حياتها رأسًا على عقب.

وبعد مرور ساعة تقريبًا من فيلم “الأمل” للمخرج نا هونغ جين، وهو فيلم أكشن وإثارة مربك لكنه ممتع إلى حد بعيد، نشاهد المخلوق الغامض وهو يثير الفوضى داخل بلدة تعدين ريفية صغيرة في كوريا الجنوبية. وقبل ذلك، تمتلئ الشاشة بدوامة من الدمار، حين يتلقى قائد الشرطة بوم سيوك (هوانغ جونغ مين) اتصالًا من ابن عمه الصياد سونغ كي (جو إن سونغ)، يخبره فيه عن ثور مشوّه ملقى بلا حراك في وسط الطريق. كان الذباب يحيط بالجثة، فيما حملت الجروح ندوبًا دموية عميقة، دون أن يتضح ما الذي تسبب في قتله.

وعندما يعود القائد إلى البلدة للتحقيق، يجد جثثًا مقطوعة الرؤوس متناثرة في الشوارع الضيقة والمباني التي حفرت فيها ثقوب غامضة. ويمضي ما يشبه فيلمًا كاملًا قبل أن نحصل على إجابة لذلك اللغز، إلا أن تلك الساعة من التشويق تُعد إنجازًا سينمائيًا حقيقيًا، حيث تبلغ درجة الإحكام حدًا يجعل المشاهد يخطئ بسهولة في تحديد الصديق من العدو.

إيقاع متسارع ومحكم الصياغة، سواء اتفقت معه أم اختلفت، فإنه يمثل حرفة سينمائية عالية الجودة قد لا نجدها حتى في أبرز أفلام الحركة الهوليوودية. كما أن الغموض الذي يلف الأحداث يدفعنا باستمرار للتساؤل حول الجهة التي تقف وراء كل ذلك الدمار الذي أصاب القرية وأهلها.

وتأتي تجربة نا هونغ جين الجديدة بعد فيلم “العويل” الذي قدمه عام 2016، وقبله “البحر الأصفر” عام 2010، و”المطارد” عام 2008، وهو ما منحه شهرة واسعة في تقديم أفلام المغامرات والتشويق عالية الجودة، إذ يتعمد الخروج عن البنية التقليدية لأفلام الرعب، ليعيد صياغة عناصرها ضمن أجواء أكثر غموضًا وقلقًا.

ويتميز الفيلم بذكاء سينمائي يبقي المشاهد متيقظًا لاحتمالات الانحراف الدرامي حتى في اللحظات التي يبدو فيها السرد ثابتًا وواضحًا. فهذه المغامرة الدموية المليئة بالإثارة تتعمد إثارة القلق لدى المتلقي، إذ تبدأ بأجواء قريبة من أفلام الغرب الأمريكي الكلاسيكية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى فيلم رعب عن مخلوقات قادمة من الفضاء الخارجي. وربما تكون هذه من المرات النادرة التي يقدم فيها فيلم عن تلك الكائنات بهذا القدر من الرعب والكثافة، حيث ينسج المخرج عبرها معايير ومضامين إبداعية جديدة.

وبعيدًا عن تفاصيل الحكاية، نشير إلى أن الفيلم ينقسم إلى خطين سرديين؛ الأول يدور حول بوم سيوك وهو يتعقب الوحش الذي يعيث فسادًا في بلدته، بينما يركز الثاني على ابن عمه وأصدقائه الصيادين الذين يغامرون بالدخول إلى الغابة بحثًا عن إجابات.

وفي حين يميل النصف الثاني من الفيلم إلى التركيز بصورة أكبر على خط الصيادين، يبقى الخط الرئيسي قائمًا على شخصية بوم سيوك والمؤثرات الصوتية المميزة للفيلم. فالقائد يبدو دائمًا متأخرًا بخطوات عن الوحش، يسمع دوي إطلاق النار والانفجارات وصرخات الضحايا، لكنه لا يتمكن من اللحاق به.

ونتيجة لذلك، فإن لقطات التتبع، وبعضها شديد السلاسة إلى درجة يصعب معها تصور كيفية تنفيذها من قبل نا هونغ جين ومدير التصوير هونغ كيونغ بيو، تُبقينا على اتصال مباشر مع بوم سيوك، وتمنحنا الإحساس ذاته بحالة التأخر والعجز. وعندما يظهر الوحش أخيرًا، يضيف ذلك الكشف، وما يتبعه من أحداث، جرعة إضافية من الإثارة والتشويق.

ولا نريد هنا كشف رموز ودلالات الحكاية، لأنها تكمن في تجربة المشاهدة داخل صالة العرض. فنحن أمام مجموعة من الأسئلة التي يفتح المخرج أبوابها أمام المتلقي: هل صمم نا هونغ جين هذا الفيلم بهذه الطريقة عمدًا؟ أم أنه يسخر من أفلام الخيال العلمي التي تعتمد الحسابات التجارية ذاتها؟ هل يحب هذا النوع من الأفلام أم يكرهه؟

في كل منعطف، يقلب المخرج قواعده رأسًا على عقب، من دون أن يمنح المشاهد فرصة كاملة لفهم لعبته السينمائية. إنه فيلم جريء ومثير للتفكير، متقن الصنع، يتأرجح بين لحظات من البراعة البصرية المذهلة وتجسيدات ساخرة للشخصيات، بينما يسلط أسلوبه المراوغ الضوء على أولئك المنجذبين إلى أبطال الحركة السطحيين، في وقت توجد فيه قصة أكثر عمقًا وإثارة للاهتمام.

ونخلص إلى أن الفيلم الكوري “الأمل” يقدم وصفة جديدة ومتطورة لأفلام المغامرات، وصفة قد تدهش العالم، بمن فيهم صناع الفن السابع أنفسهم.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.