صدرت حديثاً عن “محترف أوكسجين للنشر” في أونتاريو رواية “اعترافات روح مزيَّفة” للكاتب الروماني إيلاريه فورونكا (1903-1943)، نقلها عن الإنجليزية الكاتب والمترجم السوري زياد عبدالله، مرفقة برسوم للفنان التشكيلي السوري دلدار فلمز. وتأتي الرواية ضمن سلسلة “أوكلاسيك” كاكتشافٍ جديد لنصٍّ سرديٍّ سرياليّ واستثنائي، يطرحُ سؤال: ماذا تفعل حين تتمزَّق روحُكَ؟ أو كيف تُنقذ إنسانيتكَ في مجتمعٍ معاصرٍ فاقدٍ للبوصلة والمعنى؟

 

لا مجال للتردّد إزاء خيال الكاتبِ الحاسم، وهو يقترح عليكَ حلولاً غير متوَقعة؛ كأن تستبدلَ روحَك المضطربة، مثلاً، بروحِ جنديٍّ عاشقٍ سقطَ قتيلاً في ساحة المعركة، وما أن تعتقد أنكَ نجوتَ حتّى تنفتحَ أمامكَ رحلةٌ لامتناهية من الصراع، في امتزاج الهوية بالزمن، الحقيقة بالزّيف، والكآبة بالسخرية. هذا ما تقف عليه كلمة الغلاف حين تجدِّد طرح السؤال: هل ثمَّة عطبٌ في روحك؟ هل استبدَّ بها الخواء، أم أنها في طور التداعي والاضمحلال؟ لا عليك! هناك مَن بمقدوره أن يستبدلها، أن يهبك روحاً جديدة، تُخرجك عن الرتابة، وندرة ما هو جديد، تتيح لك أن تُمسي عاشقاً متيَّماً على الأقل! كما أن خيارات كثيرة متاحة إن كنت تبحث عن روح إنسان، طالما أن الحرب نشطة في حصدها الأرواح، ويمكن أيضاً الظفر بروح حيوان، لكن هذا الخيار بات أصعب مع ندرة الحيوانات وانقراضها. كل هذا يستدعي منك عزيزي القارئ أن تكون على جهوزية تامة للإبحار في دنيا المجاز، وخوض غمار رحلة سردية – بصرية عمادها الخيال، فالكتاب اكتشاف بحق، ومؤلفه الروماني إيلاريه فورونكا له روح ثانية، فهذا الأخير اسمه المستعار الذي نشر به واسمه الحقيقي إدوارد ماركوس، إلا أنه انتزع الاسمَيْن والروحَيْن وانتحر، وهو في الثالثة والأربعين من عمره.

إنّها حكاية تحوّل مفعمة بالمشاعر والإنسانية، تذكّرنا بأسلوب كافكا أو معاصره بولغاكوف، رحلةٌ ضياعٍ وفقدانٍ للبوصلة والهوية، تكشف عن عبقرية فورونكا كروائي ساخر ومشاغب، يقدِّم لنا درساً أدبيّاً لمن لم يفقدوا الأمل في إنسانيتهم، رغم كل الحروب والبشاعات الشاهدة على تدمير البشرية لنفسها حتى يومنا هذا.

 

ومن مقدّمة الرواية التي جاءت بعنوان “لكُلِّ حقيقةِ تلك الأرواح المزيَّفة” نقرأ ملابسات عثور الكاتب زياد عبدالله عليها ومن ثمّ ترجمتها: نُشِرَت هذه الرواية الاستثنائيّة عام 1942، وهي ثاني عمل نثريّ لـ فورونكا بعدَ “اللورد دوفين أو الذي لا يُرى وهو بالمتناول”، ولعلَّ لوقوعي على “اعترافاتِ روح مزيَّفة” وملابساتِها أن يكونَ بمنزلةِ عثورٍ على روح تائهة مُتغمَّدة بين آلاف الكتب التي تفوقُها حجماً أضعافاً مضاعفة، معتصرة على الرُّفوف اللامتناهية لمكتبة هائلة، فإذا بي أنتزعها كروح، وقد كنتُ أبحث عن كتابٍ آخَرَ لا علاقةَ له لا من قريب ولا من بعيد بها، ولم أكن قد عرفتُ حينَها بأنِّي بفعلي ذلك أحاكي الجرّاحَ غريبَ الأطوار الذي تبدأ به الرواية أيْ ذاك الذي “ينتزعُ روحَكَ بلمحِ البصر”، لكنِّي تيقَّنت وأنا أتصفَّح مطلعَها بأنِّي سأُترجِمُها لا محالةَ، ولو عن لغة وسيطة هي الإنجليزية!

 

ويشير عبدالله في مقدمته أيضاً إلى أن هذه الترجمة تحمل مصادقة جمالية بصرية تجسد تلك الأروح في رسومات، “بعد أن تلبست الرواية الفنان دلدار فلمز حين شاركته مسودة هذه الترجمة، لا بل إنها سكنته بكل ما لهذه الكلمة من معنى مجازي وواقعي، وراح يخطها بيده كلمةً كلمة بعد أن قرأها كما لو أنه يريد لكل عبارة أن تصبح رسماً ولوحة”.

 

رغم رحيله المبكّر، إلّا أن إيلاريه فورونكا أو إدوارد ماركوس؛ ترك لنا قطعةً أدبيَّة فريدة صدرت منذ أكثر مِن ثمانية عقود، وها هي تُترجم لأوّل مرّة إلى العربية لتكون خالدة كما الروح، بل عصيّة على الفَناء أيضاً، ولها أن تسكنَ قارئها، الذي سيكون حيال رحلة بصرية بديعة من 88 صفحة، بمجازِها وانتمائِها إلى المستقبل حاضراً وماضياً. كيف لا وافتتاحية فصلها الأوّل “جرّاح غريب الأطوار” تضعنا دون مقدمات في قلبِ هذه الرحلة:

لقد كان جرّاحاً غريبَ الأطوار، ذاك الذي ينتزع روحَكَ في رمشةِ عَيْن.

“لن تتألَّمَ، استرْخِ على هذا الكرسيّ”، هكذا قال.

 

ثمَّ شرعَ في الحديث عن هذا وذاك، عن عودة الطقس الجميل، عن آخر عروض الأوبرا، عن محادثات السلام السرِّيَّة، فنحنُ طبعاً في حالة حرب، وثمَّة تهديدٌ دائم للسلم، لذا فإنَّ روحَكَ تهيم في ميادين القتال، تهيم في شوارع المدينة الصاخبة، ومتى ما تخلَّيتَ عن ترقُّبِكَ أقدَمَ هذا الداهية على انتزاعِ روحِك.

ابتسمَ قائلاً: “أرأيت؟! تمَّ الأمرُ من دون أن تُقتل”.

وأراني شيئاً أبيضَ يقطرُ دماً، يُمسكُه بملقطين صغيرين.

 

كتب فورونكا الشعر أيضاً وطبعَ مجموعته الشعريَّة الأولى “كولومبا” عام 1927 وأتبَعَها عام 1928 بـ “أوليسيس” التي تضمَّنَت رسوماتٍ لمارك شاغال، بينما حملت مجموعتُه “نبات له خصال حيوان” (1929) رسوماتٍ لـ كونستانتين برانكوشي. درس فورونكا القانون في بلده، وانتقل إلى فرنسا أواخرَ عشرينيّات القرن الماضي، وأسهَمَ في المقاومة الفرنسيّة ضدَّ النازيّة، وعاشَ قبل ذلك الحقبة الباريسيّة “الأفانغارديّة” في الفنّ والأدب، المتَّسقة تماماً مع نزوعه نحو التجريب، وأسهَمَ في تجلِّياتها المفصليّة ومدارسها الفنّية ومجلَّاتها الطليعيّة.