لو لم يكن “قصص موازية” فيلماً لأصغر فرهادي، أي لو لم تفرض الكتابة عنه تلك “الضرورة” التي تلازم أسماء بعينها، لما استحق التوقّف عنده. وخصوصاً أن الوقت يبدو أثمن من أن يُهدَر على عمل بهذا القدر من العادية، فيما تعجّ هذه الدورة من كانّ بأفلام أكثر جدارةً بالنقاش. ليست مشكلة الفيلم أنه يبتعد عن إيران أكثر من 4000 كيلومتر، ولا أن مخرجه الإيراني يصوّر خارج بلاده. فالمسافة الجغرافية لم تكن يوماً عائقاً أمام السينما الكبيرة. جوزف لوزي أنجز بعض أبرز أفلامه بعيداً من الولايات المتحدة بعدما ضاقت به المكارثية، وفي هذه الدورة نفسها يقدّم الياباني ريوسوكي هاماغوتشي في “فجأةً” مثالاً على مخرج يعرف كيف يحوّل المكان (مستشفى في باريس) إلى عنصر فعّال في البناء الدرامي.

يبتعد فرهادي هنا عن البنية الواقعية المحكمة التي كرسته، ليدخل منطقة أكثر ضبابيةً، تتقاطع فيها الكتابة بالمراقبة، ويتداخل الوعي بالوهم، من خلال فيلم يحاول أن يقيم على الحدود الفاصلة بين ما يُعاش وما يُتخيَّل.
تتولد الأحداث من داخل شقّة باريسية، تعيش فيها روائية (إيزابيل أوبير)، وهي امرأة انقطعت، إلى حدّ ما، عن العالم، مستسلمةً لعزلتها وإدمانها الكحول، ومستعيضةً عن الحياة الفعلية بالتلصّص على جيرانها. تراقب حياة الآخرين لتعوّض الخواء الذي في حياتها. غير أن هذا الانغلاق يبدأ بالتصدّع مع دخول شاب (آدم بيسا) إلى دائرتها المغلقة. يحدث اللقاء مصادفةً، عبر ابنة أخت الكاتبة، إثر حادثة عابرة في المترو، قبل أن يتحوّل الشاب تدريجاً إلى حضور أساسي في يومياتها، قوّة خفية تدفعها إلى مواجهة كل ما ظلّت تؤجّله وتهرب منه، وفي مقدمّة ذلك فعل الكتابة نفسه.

لا حاجة للتوغّل في المزيد من التفاصيل: مَن يحب مَن، ومَن يراقب مَن، ومَن يخون مَن، وأي النسختين من فيرجيني إيفيرا هي الحقيقية، وأيهما ليست سوى امتداد لمخيلة الكاتبة؟ فهذه الأحجية التي ينشغل الفيلم بها تتبخّر سريعاً، ولا يكاد يبقى منها شيء بمجرد مغادرة الصالة.

 

قصّة داخل قصّة.

قصّة داخل قصّة.

 

يبني فرهادي فيلمه على ثنائية النظر: المراقِب والمراقَب، العين التي تتلصّص والعين التي تُلتقَط داخل إطار التلصّص. لكن الحدود بين الطرفين لا تلبث أن تسقط. يحاول الفيلم أن يجعل من هذا الضباب السردي محرّكه الأساسي، غير أن النتيجة تأتي أقرب إلى متاهة حكائية تتكاثر فيها الاحتمالات بلا وجهة واضحة. 

لطالما امتلك فرهادي قدرة لافتة على تشييد الحكايات المعقّدة من دون أن يفقد السيطرة على خيوطها. التشابكات في أفلامه جزء عضوي من البناء الدرامي، لا مجرد استعراض للمهارة. غير أن التعقيدات التي شكّلت إحدى علامات سينماه، تتراكم هنا بصورة تجعل المتابعة مرهقة.

يترك فرهادي قسطاً كبيراً من العبء على كاهل ممثّليه. تحضر فيرجيني إيفيرا بطاقة حيوية، فيما تمنح إيزابيل أوبير شخصيتها قدرة نادرة على جعل أكثر الحوارات قابلة للتصديق، وذلك داخل منطق الفيلم الركيك.

 

إيزابيل أوبير في قصص موازية لأصغر فرهادي.

إيزابيل أوبير في قصص موازية لأصغر فرهادي.

 

حتى الآن، كان هم فرهادي الأساسي هو الواقع الإيراني، ذلك العالم الذي يعرف كيف يقترب منه بحذر بالغ، وكيف يحكيه من الداخل من دون أن يستفز أحداً بصورة مباشرة. الغرب لطالما رأى فيه كاشفاً بارعاً للمسألة الإيرانية، فيما بدا النظام الإيراني نفسه أقل انزعاجاً من أفلامه مقارنةً بغيره من السينمائيين الإيرانيين. لكن مع انتقاله هنا إلى لعبة المرايا بين الفنّ والواقع (فكرة الإزدواجية الحاضرة والمكررة عند ألمودوفار أيضاً)، وبين الحقيقة والتخييل، تبدو أدواته أقل تأثيراً ممّا اعتدناه.

ثمة حساسية إيرانية لا تزال حاضرة في الخلفية، لكن الفيلم يحاول ارتداء عباءة سينمائية أوسع من مقاسه. فرهادي ليس براين دبالما، ذلك السينمائي القادر على أن يستلهم “بلو آب” لأنتونيوني لينجز منه “بلو آوت”، أو أن يحاور “فرتيغو” عبر عمل (“هوس”) يضاهي الأصل افتتاناً وتعقيداً. هذا الكلام الذي يأتي في مناسبة أن فرهادي يتناول موضوع تسجيل الأصوات، ليس انتقاصاً منه، بقدر ما هو توصيف لطبيعة موهبته وحدودها. وربما يكون من الإنصاف القول، في المقابل، إن دبالما نفسه لم يكن ليصنع فيلماً بصفاء “انفصال”.

هذا كله يحملنا إلى النقطة الأهم في هذا المقال: احتكاك فرهادي بكيشلوفسكي ووصاياه العشر الذي كان ممكنا تلافيه لمصلحته ومصلحتنا. لا أستطيع أن أتذكّر عدد المرات التي استفزّتني فيها تلك النوتات الموسيقية المأخوذة من “قصّة قصيرة عن الحبّ” لكيشلوفسكي وقد استعيدت في “قصص موازية”. فبدلاً من أن تأتي كتحية سينمائية واعية، تنقلب هنا إلى عبء يجرّ العمل نحو مرجع أقوى. ما إن تتسلل تلك الموسيقى إلى الفيلم حتى يفرض عالم كيشلوفسكي المأسوف عليه ظلاله علينا. هذه تفاصيل قد تبدو هامشية، وربما لن تتصدّر المقالات النقدية التي ستتناول الفيلم، إذ سينصرف معظمها إلى أسئلة من نوع “غريب ينجز فيلماً في بلد لا يعرفه”.