فعالية “بنى شخصية” في الدورة 61 من بينالي فينيسيا، 13 مايو 2026 (Getty)
بعيداً عن أسباب الجدل الذي أثير حول الدورة الحالية من بينالي فينيسيا، يبرز سؤال يتجاوز الحدث نفسه إلى بنية هذه التظاهرة نفسها، والاستمرار في إعادة إنتاجها في سياقات ثقافية مختلفة، وكأنه نموذج جاهز قابل للاستنساخ وليس تجربة تنبع من شروط محلية خاصة.
في المنطقة العربية، يكتسب هذا السؤال دلالة إضافية مع تزايد عدد الفعاليات التي تتبنى تسمية “بينالي” وتعمل ضمن البنية ذاتها. في مصر مثلاً، يُنظم كل من بينالي القاهرة الدولي وبينالي الإسكندرية لدول حوض المتوسط، إلى جانب تجارب أخرى أحدث مثل بيناليات مراكش والشارقة والدرعية، وكلها تتشابه في الشكل والخطاب. ففي مقابل سياقات غربية تحتفظ فيها تسمية بينالي بخصوصيات تاريخية ومؤسسية متباينة، يبدو أن تبنيها عربياً، وفي بلدان أخرى من العالم الثالث، يأتي غالباً بوصفه استجابة لهذا النموذج الجاهز، أكثر منه محاولة لتفكيكه أو إعادة إنتاجه وفق شروط محلية.
لا يقتصر هذا السؤال على العالم الثالث، إذ يتكرر النموذج نفسه في سياقات دولية متعددة بدرجات متفاوتة، في وقت تتصاعد فيه داخل أوروبا أصوات ناقدة لبنيته ذاتها. ففي تغطيات الدورة الحالية من بينالي البندقية، لم يعد النقد موجهاً إلى مضامين المعرض بقدر ما انصرف إلى شكله وآلياته. يلاحظ نقاد، من بينهم أدريان سيرل في مقال نشرته “ذا غارديان”، أن البينالي يبدو مفككاً، عاجزاً عن إنتاج رؤية جامعة في عالم يزداد انقساماً. فيما تنتقد مقاربات أخرى ابتعاد البينالي عن اللحظة السياسية التي يُفترض أن يعكسها، مفضلاً خطاباً أخلاقياً عاماً يتجنب الاحتكاك المباشر بالقضايا الأكثر إلحاحاً.
ولا يتوقف هذا التوتر عند مستوى الموقف السياسي، بل يمتد إلى طبيعة الأعمال نفسها، فثمة انتقادات متزايدة لطبيعة الأعمال المقدمة، التي تميل إلى مخاطبة لجان التحكيم أكثر من انشغالها بالتواصل مع الجمهور. كما تحولت الأجنحة الوطنية إلى ساحات تنافس رمزي، تتقاطع فيها اعتبارات الدعاية الثقافية مع رغبة الدول في إثبات الحضور، أو تقديم ما يُوصف عادة بالتمثيل المشرّف.
ظاهرة باتت تتبنى الربح المادي وترويج أعمال فنية استهلاكية
تأسس بينالي البندقية عام 1895، لكنه شهد تحوّلات جوهرية أعادت تشكيل بنيته ووظيفته. ففي مطلع القرن العشرين، بدأ اعتماد نظام الأجنحة الوطنية، وهو ما منح الدول حضوراً تمثيلياً مباشراً داخل المعرض، وأرسى مبكراً علاقة وثيقة بين الفن والسياسة. وخلال فترة الحكم الفاشي في إيطاليا، بين عشرينيات القرن الماضي وأربعينياته، تعمق هذا البعد المؤسسي؛ إذ وُظف البينالي في خدمة الخطاب القومي، عبر تنظيمه وإدارته بما يتماشى مع سياسات الدولة. لاحقاً، وفي أواخر الستينيات شهد البينالي منعطفاً بعد احتجاجات 1968 التي دفعت إلى مراجعة بنيته وآليات عمله.
استنساخ النموذج
مع نهاية القرن العشرين، تحوّل بينالي البندقية إلى نموذج مؤسسي قابل لإعادة الإنتاج في سياقات متعددة، مع ظهور عشرات البيناليات الدولية التي تبنت بنيته القائمة على أجنحة أو تمثيلات وطنية. ومع تكاثر هذه الفعاليات في مدن تطمح إلى تثبيت حضورها على الخريطة الثقافية العالمية، أخذ نموذج واحد يترسّخ بصيغ مختلفة، يَعِدُ بالتنوع، لكنه يعمل وفق منطق متقارب يعيد إنتاج نفسه. باختصار، جرى تبني هذا النموذج لأنه يوفر صيغة جاهزة ومضمونة للانخراط في الحراك الثقافي الدولي؛ فبدلاً من بناء نموذج محلي يحتاج إلى تعريف نفسه من الصفر، يقدّم البينالي بروتوكولاً معترفاً به عالمياً. حتى بدا، في نظر كثيرين، أقرب إلى رخصة دخول سريعة إلى النادي الثقافي العالمي.
في كتابه “ما هو الفن المعاصر؟” (2009)، يشير المؤرخ الفني تيري سميث، في سياق حديثه عن النظام العالمي للفن المعاصر، (أي شبكة المؤسسات والمعارض والأسواق التي تحدد ما يُعرض ويُتداول بوصفه فناً معاصراً على المستوى الدولي) إلى أن تحوّل البيناليات إلى بنية مهيمنة جعلها جزءاً من آلية إنتاج هذا الفن نفسه، بما يطرح شكوكاً حول قدرتها الفعلية على استيعاب اختلاف حقيقي.
وفي السياق الآسيوي، وُجهت انتقادات إلى بعض البيناليات باعتبارها أدوات لتحسين الصورة الدولية للأنظمة السياسية، أكثر من كونها فضاءات نقدية مستقلة. أما في أميركا اللاتينية، فقد عبّر فنانون وكتاب عن قلقهم من أن المشاركة في هذه الفعاليات باتت مشروطة بالاندماج في لغة فنية نمطية. أفكار تتشارك فيها مع القيم الفني رافال نيموجيفسكي في كتابه “البيناليات: المعارض التي نحب أن نكرهها” (2021)، الذي يلفت إلى أن البيناليات باتت فعاليات ترفيهية عند العديد من النقاد، وتهدف إلى الربح المادي وترويج أعمال فنية استهلاكية، كما تتهم بتوحيد الممارسات الفنية والتنسيقية، مما أدى إلى نوع من الملل لدى جمهورها، بالإضافة إلى مساهمتها بشكل كبير في زعزعة سوق الفن، الذي بات يعتمد على ما يُعرض فيها بقدر اهتمامه بمقتنيات المتاحف الكبرى ومعارضها. أزمة البينالي مفهوماً وممارسة تشكل هاجساً لا ينتهي نقاشه من قبل فنانين ونقاد مثل: تيرا ويل وبروس فيرغسون وإيلينا فيليبوفيتش وغيرهم.
تجاوز الفكرة
في مواجهة هذه الانتقادات، لم تخل الساحة من محاولات لتجاوز نموذج البينالي أو إعادة التفكير فيه من الداخل، وإن جاءت معظمها من سياقات غربية أيضاً. من أبرز هذه التجارب معرض “دوكيومنتا” في مدينة كاسل الألمانية، الذي يُقام كل خمس سنوات، وقد سعى عبر دورات متتالية إلى كسر الإطار التقليدي للمعارض الكبرى، سواء من خلال توسيع جغرافيته كما في نسخة 2017 التي امتدت إلى أثينا، أو عبر تبنّي نماذج تنظيمية جماعية كما في دورة 2022. كذلك يقدم بينالي مانيفيستا (Manifesta)، بوصفه بينالياً أوروبياً متنقلاً، نموذجاً مختلفاً يقوم على تغيير موقعه كل عامين، بهدف خلق علاقة مباشرة بين الإنتاج الفني والسياق الحضري للمدينة المضيفة.
وإلى جانب هذه النماذج، ظهرت فعاليات تركز على وسائط محددة، مثل لقاءات آرل (Rencontres d’Arles)في فرنسا المخصصة للتصوير الفوتوغرافي، فضلاً عن تظاهرات تعنى بالفيديو والفنون الرقمية في شمال أوروبا، بما يعكس اتجاهاً نحو التخصص وكسر الصيغة الشاملة للبينالي التقليدي.
