أول يونيو القادم تحل الذكرى المئوية لمولد مارلين مونرو، أشهر نجمة في تاريخ السينما، وواحدة من أشهر النساء اللاتي عرفهن كوكب الأرض. وفي رأي البعض أجمل امرأة، “وطأت قدماها أرض هذا الكوكب”!

من فتاة أقل من عادية، إلى إحدى نجمات مصانع هوليوود، إلى أكبر وألمع هذه النجمات، إلى الموت المفاجئ في سن السادسة والثلاثين، إلى أسطورة حية تكبر وتتجدد بمرور السنين، وقد تحول أغسطس، الشهر الذي رحلت فيه، إلى مناسبة سنوية لا يكاد يمر عام إلا ويصدر عنها كتب وشهادات ومعارض، بل حكايات وصور جديدة لا يعلم المرء أين كانت تختبئ، وكيف يمكن لحياة قصيرة بهذا الشكل أن تحتوي على كل هذه المواد، من قصص الطفولة التعيسة الميلودرامية، إلى دراما القلب والعلاقات الفاشلة، إلى حبكات الجريمة والغموض ونظريات المؤامرة حول “مصرعها” على يد المخابرات أو آل كينيدي!

كانت مارلين مونرو سلعة تباع وتشترى في حياتها من قبل صناعة السينما والصحافة، ولكن السلعة صارت أعلى سعراً وأكثر دراً للربح بعد موتها، حتى أنها تحولت إلى مهنة في حد ذاتها اسمها مارلين مونرو، “مهنة” يعمل بها آلاف من صناع الأفلام ودور النشر والكتاب والصحفيون، بعضها رسمية، مثل مؤسسة إدارة ممتلكات Estate مارلين مونرو، وشركات إنتاج أفلامها والصحف التي نشرت حوارات وصور لها والمصورين الذين تعاونوا معها، ومعظمها غير رسمية من باحثين وكتاب وجامعي مقتنيات وجماعات ونوادي معجبين، وبعضها طفيليات تقتات و”تسترزق” على السطو من الفئتين السابقتين.

وبالطبع كل هؤلاء كانوا يعدون العدة لتحقيق أكبر استفادة من المئوية.

قصة بوليسية ومعرض في كتاب

على سبيل المثال، من أوائل ما صدر بمناسبة المئوية كتاب يحمل عنوان “الأيام الأخيرة في حياة مارلين مونرو” هو The Last Days Of Marilyn Monroe، من تأليف جيمس باترسون وإيموجين إدوارز- جونز، صدر في نهاية 2025، وأعيد طبعه عدة مرات، وهو سيرة لا تحمل جديداً، ولكن صاحبيه روجا له بعبارة ” قصة مثيرة عن جريمة  حقيقية” A True Crime Thriller على الغلاف، ما خدع الكثيرين معتقدين أن الكتاب يكشف، أخيراً، لغز مصرع محبوبتهم، ولكن الحقيقة أنه مجرد كتاب تجاري آخر يسعى لاستغلال أنوثة، ومأساة، المرأة، ناهيك عن أن عنوانه نفسه سبق استخدامه في أكثر من كتاب ومطبوعة وبرنامج!

من ناحية أخرى، أصدرت مؤسسة ممتلكات مارلين في بداية مايو ما أطلقت عليه “مئوية مارلين: الإصدار الرسمي”، Marilyn Monroe 100: The Official Centenary Publication، وهو كتاب ضخم الحجم فاخر الطباعة في 348 صفحة، يضم عدداً هائلاً من الصور التقطها 17 مصور (وبالتحديد 116 صورة ملونة و 158 صورة أسود وأبيض) تغطي حياتها من 1945 إلى 1962، بالإضافة إلى مقتطفات من كلمات مونرو عن نفسها أو آرائها، مثل قولها “أعتقد أن الأنوثة تكون فقط جذابة عندما تكون طبيعية وتلقائية”، ومقتطفات مما قاله أو كتبه عنها عدد من المشاهير والكتاب.

وهذا الكتاب الاحتفالي الذي يوضع عادة على المائدة، لا في المكتبة، بهدف التصفح السريع والاستمتاع بالصور والعبارات المنتقاة القصيرة يبلغ ثمنه 95 دولاراً، وحسب الأخبار فقد حقق مبيعات كبيرة منذ صدوره، ما يؤكد أن مارلين لم تزل تحيا في خيال الأجيال الجديدة، رغم مرور 64 عاماً على رحيلها!

من الصعب تلخيص الأثر الكبير الذي تركته مارلين مونرو في مقال، أو مجال واحد.. من السينما الأميركية والعالمية إلى الأزياء إلى الجمال والتجميل إلى مفهوم الأنوثة والإغراء بشكل عام، ولكن لفهم هذا التأثير يمكن النظر إلى السياق التاريخي والاجتماعي والتكنولوجي الذي بزغ فيه نجمها.

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في 1945، كانت نورما جين بيكر (اسمها الأصلي) قد تخطت سن المراهقة بالكاد، كانت زوجة لجندي عائد من الحرب، عانت من طفولة شديدة البؤس، فوق الفقر أب مجهول وأم تعاني من مرض عقلي وراثي، سرعان ما تم إيداعها بإحدى المصحات لتقضي بقية حياتها، وبمجرد وصولها إلى سن البلوغ والمراهقة أصبحت عرضة للتنمر ومحاولات الاستغلال، لكنها، بإصرار الواثق، واستماتة اليائس، استطاعت أن تتحول إلى أشهر نجمة وأكبر رمز للأنوثة والإغراء في العالم.

ابنة عصرها

مارلين مونرو هي وليدة نورما جين، حرفياً، ولكنها أيضاً وليدة عصرها: فترة ما بعد الحرب التي يمكن تقسيم العالم والأفكار والأخلاق والفنون والعلوم والحروب إلى ما قبلها وما بعدها، وتطور الوسيط السينمائي مع ظهور الألوان وجودة الصورة والصوت، وتطور الصحافة ومجلات الفن والموضة المصورة وتحولها إلى ضلع رابع، بعد الإنتاج والتوزيع ودور العرض، في صناعة السينما وجماهيربتها الطاغية، وعلى سبيل المثال، فقد صار العالم كله يعرف مارلين مونرو، حتى الذين لم يشاهدوا فيلماً واحداً لها، من خلال الصحف والمجلات الفنية، ثم ظهور التليفزيون، الذي عبر بأفلامها المحيطات، لا يمكن أيضاً إغفال ظهور ما يعرف بالـ”الموضة” Fashion وبيوت الموضة، وهوس التصميمات الجديدة ومجلات الموضة والأزياء، ومعها تطور مهنة التجميل، بداية بمساحيق الوجه وصبغ الشعر حتى عمليات التجميل..

ظهرت مارلين مونرو في بداية الخمسينيات، المفعمة بالتفاؤل والإحساس بالرضا والرغبة في الاستمتاع بالحياة والرغبة في تجاوز الماضي، بعد انتهاء سنوات الحرب الدامية، وماتت في بداية الستينيات، مع الأزمات المتتالية التي وضعت العالم على شفا حرب جديدة، ونظام رأسمالي لا يقل بشاعة واستغلالاً عن الاستعمار القديم.

بطريقة تحمل قدراً هائلاً من المفارقة، وصلت حركة تحرر المرأة إلى ذروتها مع الخمسينيات، ولكنها سرعان ما تحولت إلى جارية بطريقة مختلفة: تحررت المرأة وتحولت إلى سلعة في الوقت نفسه، وقد جسدت مارلين مونرو هذه المفارقة العجيبة، إذ صارت رمزاً للمرأة القوية المسيطرة، ورمزاً للأنوثة التي تباع وتشترى، وشاءت الظروف أن تتوفر في شخصية وملامح مارلين مونرو كل من هذه القوة المطلقة، والضعف الشديد.

الأنوثة المرحة

أنوثة مارلين مونرو لا تقاوم، كنجم مغناطيسي يجذب كل من يقترب منه، ولكنها أنوثة أليفة، غير مخيفة، متناسقة التضاريس، غير مقتحمة، ومبالغات زينتها وملبسها يخفف من وقعها صوتها الطفولي، الهامس، الخفيض، سواء على الشاشة، أو في الواقع صدرت مارلين مونرو صورة ملتبسة للمرأة: المتحررة، القوية، المسيطرة على قرارتها وعلى الآخرين، المغرية التي توقع بالرجال، وتتخلص منهم مثل ملكة النحل، أو أنثى العنكبوت الأسود، وفي الوقت نفسه الفتاة المسكينة، الهشة، البريئة، التي يطمع فيها الرجال الشهوانيون، والتي تحتاج إلى مساعدة الطيبين.. يضاف إلى ذلك كله الطبيعة الكوميدية الخفيفة لمعظم الأفلام التي شاركت في بطولتها، ما جعل هذا الإغراء يبدو مرحاً كنكتة، وليس مصدر إثارة مقلقة (حين نقارنه بشارون ستون، مثلاً)، وسواء في الأفلام أو خارجها كانت مارلين مونرو تتمتع بحس فكاهي محبب زاد من قبولها وجاذبيتها.

يكمن سر مارلين غالباً في الجمع بين الأنثى المسيطرة الساخرة، والفتاة الساذجة، حد البلاهة أحياناً، وهي تعترف في مذكراتها التي نشرت بعد موتها أنها كانت تستخدم السلاحين وفقاً للمواقف التي تمر بها.

كسرت مارلين مونرو في حياتها كثير من التابوهات، خاصة في ملابسها الجريئة الكاشفة على الشاشة وخارجها، ما تسبب في انزعاج الكثير من المحافظين، وأيضاً بعض زميلاتها مثل جوان كروفورد التي انتقدتها علناً بسبب ملبسها في أحد حفلات توزيع الجوائز في 1953، الطريف أن مارلين انتقمت بطريقتها عندما ادعت في مذكراتها أن كروفورد كانت تريد إقامة علاقة معها، ولكنها رفضت! 

كان التوبيخ الذي ذكرته كروفورد أن على الممثلات أن يكن أنيقات فاتنات، ولكن أيضاً كسيدات محترمات Ladies، مع ذلك فقد كانت مارلين، خاصة بعد هذا التاريخ، تتعامل مع عدد من كبار المصممين في العالم، الذين صمموا لها عدداً هائلاً من الملابس، بأنواعها، والحلي، وتصفيفات الشعر، التي أصبحت جزءاً من ذاكرة وثقافة النساء والموضة ولم تزل، ولا يكاد يمر عدة أسابيع، دون أن نرى من يستلهمها في تصميم سواء في الحياة، أو على الشاشة، ومقارنة بما جاء بعدها، فلا شك أن ملابس مارلين كانت أكثر أناقة واحتراماً بكثير!

* ناقد فني