صدرت حديثاً عن “محترف أوكسجين للنشر” في أونتاريو طبعةٌ ثانية منقحة من المجموعة الشعرية “كلَّما لمست شيئاً كسرته” للشاعر المغربي عبد الإله الصالحي. وقبل أن نقع في فخِّ العنوان واحتمالاته العديدة بين الضمِّ والفتح والكسر، تواجهنا هذه العبارة للشاعر الأميركي ريتشارد بروتيغان كجملة افتتاحية للكتاب: “يا للغرابة! كيف تستمرّ أشياءُ الحياةِ البسيطة على بساطتها/ بينَما نحنُ نتعقّد أكثر فأكثر”.

وهنا ينحاز الشاعر عبد الإله الصالحي إلى الحياة، وبالتالي إلى البساطة التي تستنطقُ الواقعَ شعراً بكلّ عناصرهِ، دون تعقيداتٍ أو بلاغاتٍ لغوية، وإنما تفردُ مساحة شاسعة لليوميّ والمتناغِم مع لغة الشارع ودهاليز المدن الصاخبة، انتصاراً للهمِّ الفردي الذي يتقاطعُ في المسافة بين الوطن والمهجر مع الهمّ الجماعي، وليخاطب الشاعرُ العالمَ كمن يجلسُ أمام مرآة متشظية: “مِن حينٍ لآخر يكفهِرُّ العالَم/ تُقفِلُ التّليفون/ تَلعَنُ الكتابة/ تَلعَنُ النّساء/ وتَلعَنُ نفسَكَ”.
 

هذه العوالمُ تضيء عليها كلمة الغلاف: “إنّه كتابٌ متعدِّد الاحتمالات، والشاعر عبد الإله الصالحي هنا ليسَ ذاتاً واحدة بل مدينة بأكملها، قد تكون باريس أو الرباط أو الدار البيضاء لا فرق، فالغربةُ غربتان، واليأس والهزائم جنباً إلى جنب مع السخرية والانتصارات اليومية، في قصائد متفرِّدة، تعودُ لتُواصل مع صاحبها ارتياد الحانات، ورفع أنخاب الأصدقاء، والتسكّع في شوارع الخيبة، كاسرةً بنزقِها كلَّ الأشكال المتوقعة للكتابةِ الشعرية عربيّاً ومغربيّاً، ملخصةً تجربة يتقاطع فيها الإبداعي والإنساني ليشملَ المغتربين والمهمَّشين والحالمين والسكارى الذين يعشقون الحياةَ أكثر مِن أيِّ شيءٍ آخر”.
 

يتغذّى الصالحي في كتابته على زاده من المغامرة الشعرية والحياتية، ماحياً الحدود بينهما، وصانعاً فرادةً أسلوبية تخصّه كشاعرٍ يواجه اغترابه عن العالم المنهار اجتماعياً وسياسياً بأسلحة الإبداع والسخرية، وبالتماهي مع الحياة والغرق في تفاصيلها المنسية والمهمَلة: “هذا اليوم، مثل الحياة برمّتها/ يحتاج إلى مجازفة ما”. ومن بلدٍ إلى آخر، وبين حانةٍ وأخرى، وكأسٍ وثانية وثالثة، تتوالى الحكايات والانتصارات الصغيرة والخيبات في تجربةِ جيل بأكمله.

من قصيدة “دروس بارسيّة” نقرأ:
حركاتُنا محكمةٌ 
لكنّنا، كالعادة، نَفقِدُ التَّوازنَ خارجَ اللُّغة.

ماذا سنفعل بشرخٍ وقد أزهر العشبُ في أفواهنا؟
مِن مغامرةٍ لأخرى تفنَّننا في الكبس على الأزرار
أَخرَسْنا أجمَلَ ما فينا 
صحَّحنا النَّدمَ بالبهارات
وأنجبْنا أبناء يفهمون في الطاعة والموسيقى.

ليسَت في الأمر ثمَّةَ صُدفة.
ليسَت ثمَّةَ وَصفة.
ألسْنا جديرينَ بهذا العدم
الذي ميَّعَ علاماتِ الاستفهام في قصائدِنا؟

 

“كلَّما لمست شيئاً كسرته” لعبد الإله الصالحي هو كتابُ مرحلة، حاز جائزة الديوان الأوّل لبيت الشعر المغربي العام 2006، وكُتِبت حوله، على مدار عقدين، الكثير من الدراسات والمقالات الصحفية والشهادات، أُدرِجت منها عدّة مقاطع في آخر الكتاب في طبعته الثانية الجديدة هذه، والتي تضمّ، عبر 88 صفحة، 31 قصيدة لاذعة، جريئة، وساخرة حدّ الألم.
 

وعبد الإله الصالحي شاعر من المغرب، مواليد 1968، يقيم في باريس منذ عام 1990. صدرت له مجموعتان شعريتان: “كلَّما لمست شيئاً كسرته” (ط1: 2005)، و”سيرك الحب” (2023)، عن محترف أوكسجين للنشر.