على مدار أكثر من 25 عاماً، عرض المخرج الأميركي جيمس جراي خمسة أفلام بالمسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، حيث وجد في المهرجان مساحة مثالية لسينماه الهادئة والمشبعة بالتوتر الإنساني، فمنذ مشاركة The Yards عام 2000، و We Own the Night عام 2007، مروراً بـ Two Lovers و The Immigrant وحتى Armageddon Time عام 2022، حافظ جراي على حضوره كمخرج يفضل الحكايات الشخصية الثقيلة على الاستعراض البصري السهل.

ومع فيلمه الجديد Paper Tiger، عاد جراي إلى كان للمرة السادسة في المسابقة، مستكملاً علاقته الطويلة مع المهرجان.

في الفيلم، الذي يقوم بطولته آدم درايفر وسكارليت جوهانسن ومايلز تيلر، يعود أيضاً جيمس جراي إلى نيويورك، التي شكلت عالمه البصري والإنساني، وإلى العائلات اليهودية من الطبقة المتوسطة التي سكنت معظم أفلامه.

هذه العودة بدت وكأنها فرصة ليجمع فيها كل هواجسه القديمة مرة واحدة: العائلة، والإخوة، والمال، والخوف من الفشل، والرغبة المستحيلة في أن يصبح الإنسان شخصاً آخر.

لذلك يمكن اعتبار فيلم Paper Tiger، امتداداً طبيعياً لمسيرة جراي، لكنه أيضاً يبدو كأحد أكثر أفلامه نضجاً وقسوة، فيلم جريمة في الظاهر، لكنه في العمق تراجيديا عائلية عن رجال يطاردون فكرة النجاح حتى وهم يعرفون أن الطريق إليها قد يدمرهم بالكامل.

نيويورك الثمانينات

نحن في العام 1986، داخل مناخ أميركي مأزوم اقتصادياً ونفسياً، حيث تتسع الفجوة الطبقية، ويصبح النجاح المادي معياراً خفياً للقيمة الإنسانية، هنا نرى إروين بيرل، الذي يؤديه  مايلز تيلر، مهندس بسيط يعيش حياة عادية في كوينز مع زوجته (سكارليت جوهانسن) وولديه، رجل يبدو وكأنه قضى عمره كله يحاول ألا يخطئ، وألا يلفت الانتباه، وألا يخسر استقرار حياته الصغيرة. 

في المقابل هناك شقيقه الأكبر جاري، الذي يجسده  آدم درايفر، ويحمل كل ما يفتقده إروين، بداية من الثقة، الحضور، وحتى العلاقات، والقدرة على التحرك داخل المدينة كما لو أنها ملكه الشخصي، شرطي سابق تحول إلى مستشار أمني، يقود سيارة فاخرة، يرتدي البدل الأنيقة، ويتحدث بثقة رجل يعرف كيف تدار الأمور خلف الكواليس.

يدخل جاري حياة شقيقه من جديد حاملاً عرضاً يبدو مغرياً عن مشروع ضخم مرتبط بتنظيف قناة مائية في نيويورك بالتعاون مع رجال أعمال روس، وأموال كافية لتغيير حياتهما بالكامل.

ومن اللحظة الأولى تقريباً، يعرف المشاهد أن الأمور لن تنتهي بشكل جيد، ربما لأن جيمس جراي يبني إحساساً دائماً بأن شخصياته تتحرك نحو الكارثة حتى وهي تظن أنها تتحرك نحو النجاة.

والكارثة هنا في Paper Tiger تبدأ قبل ظهور المافيا الروسية، وتحديداً منذ اللحظة التي يقتنع فيها إروين بأنه يحتاج إلى هذه الصفقة كي يشعر بقيمته، المافيا هنا ليست سوى الامتحان الخارجي لعقدة داخلية أعمق تتمثل في الشعور بالنقص أمام الأخ الأكبر، وأمام المجتمع، وأمام صورة النجاح الأميركية نفسها.

وربما لهذا السبب ينجح Paper Tiger أكثر حين يركز على العلاقة بين الأخوين، وليس على قصة المافيا نفسها، لأن الفيلم في جوهره ليس عن الروس، ولا عن الجريمة المنظمة، ولكنه عن رجلين لا يعرفان كيف يحبان بعضهما بشكل طبيعي.

جاري يريد أن يشعر بأنه الأخ الأقوى والقادر على الإنقاذ، وإروين يريد أخيراً أن يشعر بأنه ليس الأضعف دائماً، وبين الاثنين، تتحول العلاقة العائلية نفسها إلى فخ. 

الفيلم ينجح بذكاء في بناء التوتر النفسي من خلال التفاصيل الصغيرة أكثر من المشاهد الكبيرة، نظرات على مائدة الطعام، صمت طويل داخل السيارة، أو محاولة أب إخفاء خوفه عن أبنائه،  وحتى عندما يقترب الفيلم من أجواء أفلام العصابات التقليدية، يظل اهتمام جراي الحقيقي منصباً على البيت نفسه، وعلى الطريقة التي يمكن أن تتحول بها العائلة من مساحة أمان إلى عبء ثقيل يخنق الجميع ببطء.

تراجيديا غير محكمة 

ربما لا يكون الفيلم مثالياً طوال الوقت، فهناك لحظات يبدو فيها أن جراي يدفع شخصياته إلى قرارات غير منطقية فقط كي تستمر التراجيديا، وبعض المنعطفات التي كان يمكن أن تكتب بشكل أكثر إحكاماً، لكن حتى في لحظاته المرتبكة، يظل الفيلم محتفظاً بإحساس نادر بالصدق العاطفي.

حتى العنف هنا مختلف، جراي لا يهتم بمشاهد الأكشن التقليدية، وإنما بما يسبقها، بالخوف قبل الانفجار، بالصمت الذي يسبق التهديد، وبالإحساس الثقيل بأن الشخصيات محاصرة حتى داخل بيوتها.

بصرياً، يعود جراي إلى واحدة من أكثر المناطق التي يجيدها، نيويورك التي لا تشبه الأفلام السياحية، مدينة متعبة، خانقة، رمادية، مليئة بأشخاص يركضون وراء فرصة صغيرة للهروب من حياتهم الحالية، التصوير يمنح الفيلم ملمساً قديماً يناسب عالمه، دون أن يتحول إلى استعراض نوستالجي للثمانينيات.

أداء لافت

وعلى مستوى التمثيل يقدم آدم درايفر أداءً يمتلئ بالتفاصيل الصغيرة، ابتسامات متوترة، نظرات مرتبكة تمر سريعاً، وثقة تنهار تدريجياً من دون أن يقول الفيلم ذلك بشكل مباشر، لم يقع درايفر ولو للحظة في فخ تقديم شخصية رجل العصابات التقليدية، وقدم الشخصية لرجل يعرف أنه يبالغ في تمثيل القوة، لكنه لا يستطيع التوقف. 

وفي المقابل، يمنح مايلز تيلر شخصية إروين هشاشة حقيقية، من دون مبالغة، هشاشة رجل عادي وجد نفسه فجأة داخل عالم لا يعرف قواعده، وكلما حاول أن يتصرف بعقلانية، اكتشف أن الأمور خرجت من يده بالفعل.

أما سكارليت جوهانسن، فرغم أن دورها أقل مساحة، فإنها تمنح الفيلم واحدة من أكثر طبقاته الإنسانية هدوءاً، زوجة تشعر أن شيئاً ما يتغير داخل بيتها، وأن زوجها يبتعد عنها تدريجياً، بينما يبدأ بصرها نفسه في التشوش، وكأن جراي يستخدم حالتها كاستعارة عن عائلة كاملة فقدت قدرتها على رؤية الحقيقة.

في النهاية، لا يبدو Paper Tiger فيلماً عن المافيا بقدر ما يبدو فيلماً عن رجال يخافون من الشعور بالفشل أكثر من خوفهم من الخطر نفسه، وهذا تحديداً ما يجعل الفيلم واحداً من أكثر أفلام جيمس جراي شخصية ومرارة، فوسط عالم المافيا المليء بالتهديدات والأسلحة والصفقات القذرة، يطارد جراي شخصياته بسؤال يبدو بسيطاً ومؤلماً: ماذا لو كان كل هذا السعي وراء حياة أفضل هو السبب في تدمير الحياة التي نملكها بالفعل؟

وربما لهذا يخرج Paper Tiger أقل صخباً من كثير من أفلام الجريمة، لكنه أكثر بقاءً في الذاكرة.