يعدّ الشاعر والروائي الفلسطيني – الأردني إبراهيم نصر الله الأكثر شهرة بين أقرانه، وهو روائي غزير الإنتاج (نحو 22 رواية)، وربما كان الأكثر تكريماً ونيلاً للجوائز في المنطقة، وجديدها أخيراً جائزة نيوستاد التي تمنحها جامعة أوكلاهوما الأميركية التي تعتبر ثاني أعظم جائزة بعد “نوبل في الآداب”.
تُرجِم نصر الله، الهادئ على نحو يُغبَط عليه، إلى لغاتٍ كثيرة، وتجاوز عدد طبعات بعض رواياته العشرين، ودُعي، ولا يزال، إلى منتديات أدبية وثقافية في أربعة رياح الأرض، وعلى مدار العام. كُتب الكثير عن أعماله، وبحسب “ويكبيديا”، فإن أكثر من 85 رسالة ماجستير ودكتوراه كتبت عنها، وهذا عدد كبير في المقاييس كلها، فماذا يريد بعد؟ هل يسعى إلى شهرة إضافية بإثارته احتمال أن يكون فيلم آن ماري جاسر “فلسطين 36” قد اقتُبس جزئيّاً على الأقل من إحدى رواياته (زمن الخيول البيضاء)؟
ربما، وعلى الأغلب لا. وفي الحالتين، ثمّة ضحية لا يُسمع صراخها في مثل هذه المنازعات التي قد تصبح مريرةً ومجانية، وهو ما لا نتمناه، خصوصاً بعد أن تردّد عن رفع قضية ذات صلة بحقوق الملكية على المخرجة المتميزة، المتأنيّة في أعمالها، آن ماري جاسر، التي حاز فيلمها جائزة مهرجان طوكيو الكبرى العام الماضي، ونافس على أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية. ولا أقصد بالضحية هنا آن ماري، بل ربما تكون الحقيقة نفسها، بسبب فهمٍ مُلبسٍ للتقاطع الجزئي بين العملين، ذلك أن قرائن كثيرة، حتى لو صحّت، قد لا تُثبت شيئاً في حالة الفنون، قدر ما تؤكّد حيوية التواصل والتداخل في حقول الإبداع عموماً.
ثمة من رصد تقاطعاتٍ بين رواية نصر الله وفيلم آن ماري، وبعضها من الصعب اعتباره مصادفةً أو نتيجة عدم اطّلاع، ويحتاج اعترافاً من آن ماري إذا صحّ، وآخرُها، وإنْ تشابه حتى في تسلسله في الرواية والفيلم، فإنه لا يعني تأثّراً أو حتى اطّلاعاً، بل نتاج المقاربة الفنية لما يمكن اعتبارها أنماطاً متكرّرة اتسم بها أداء الاستعمار البريطاني، فتسلسل الإجراءات الإسرائيلية قبل قصف بلدات في جنوبي لبنان وبعده لو ورد في رواية ثم في فيلم فإنه لا يعني أن وروده في الرواية فعلاً سابقاً وأصيلاً.
وربما فاقم سوء الفهم هنا أن بعض من كتبوا عن القضية، حاولوا التواصل مع آن ماري فأخفقوا، ما غذّى فكرة أنها “سرَقت”، لا تأثرت وحسب، وجاء نفيها قبل أيام قراءة أيٍّ من روايات نصر الله ليزيد الصورة إعتاماً. وأياً يكن الأمر، فإن التأثر أو التناص جزئيٌّ على الأغلب، ويتعلق بشخصيةٍ دون غيرها، وربما بتقارب دلالات اسم القرية في العملين، وهذا لا ينتقص في حالٍ من جماليات الفيلم، ولا يضيف الكثير لنصر الله في المقابل.
يعرف قارئو نصر الله اهتمامه الكبير بالسينما، ما يفترض معرفته أن التأثر في الأعمال السينمائية لا يتعلق أساساً بالأحداث، على أهميتها، بل بالأساليب، وهذه تتجلى في زوايا التصوير والمونتاج والبناء الدرامي وسوى ذلك، لكنّ هذا لا ينفي حقه الأدبي والأخلاقي، إذا صحّ اقتباس آن ماري بعض شخوص روايته أو أحداثها ببنائها الدرامي كما هو.
تتسم العلاقة بين النص الروائي والفيلم بالتعقيد، فبينما تستطيع، مثلاً، تخمين الخطوة المقبلة لأيٍّ من أبطال الأفلام المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ وأنت مغمض العينين، إلا أن الغضب سيظل ينتابك المرّة تلو الأخرى، كلما شاهدت “الكيت كات” لداود عبد السيد، المأخوذ عن “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان، وكلاهما (الرواية والفيلم) بديعان، علماً أن الرواية أجمل من الفيلم. … لم يأخذ عبد السيد أحداث الرواية بتسلسلها في فيلمه، ولا الشخوص على ما كانوا عليه، بل قام بما يشبه إعدام الشخصية الرئيسية في الرواية، وجعل من شخصية هامشية في النص البطلَ الرئيس في فيلمه.
أبدعت آن ماري في فيلمها، ولا يعيبها أن تكون قد تأثرت، على نحو ما، برواية نصر الله، رغم نفيها قراءة أيٍّ من رواياته، فتأثرها إذا صح كان جزئياً، وربما تأتّى من خلال مروياتٍ شفويةٍ من فريقها، وقد يكون ذا صلةٍ بلا وعي النصوص والأعمال الإبداعية، وليس صحيحاً أنه بنيوي. وأظن أن شاعرنا وروائينا إبراهيم نصر الله يعرف هذه الأمور أكثر من سواه.
