في موسم يبدو الأكثر اشتعالاً منذ أعوام تحولت منافسات شباك التذاكر في عيد الأضحى 2026 بدور العرض المصرية إلى معركة حقيقية بين أفلام الأكشن الضخمة والكوميديا الجماهيرية، ومع تحقيق أرقام قياسية وجدل نقدي واسع وتغير يومي في خريطة الإيرادات أصبح المشهد السينمائي على صفيح ساخن.
وتمسك فيلم “سفن دوجز” بالتربع على قمة شباك التذاكر المصري، بينما فجر فيلم “الكلام على إيه” مفاجأة كبيرة بتفوقه للمرة الأولى على فيلم “أسد”، في وقت يواصل فيه الجمهور إعادة تشكيل مزاجه السينمائي بسرعة غير معتادة.
رهان الكبار
لم يكن اكتساح فيلم “سفن دوجز” القمة أمراً مفاجئاً فهو يحمل شعار رهان الكبار، وحقق في ثلاثة أيام عرض فقط حسب غرفة صناعة السينما والموقع الرسمي للإيرادات المصرية ما يقارب 58 مليون جنيه مصري (نحو مليون و160 ألف دولار)، وحصد في أول ليلة نحو ٧ ملايين جنيه (140 ألف دولار تقريباً) وفي ثاني أيامه وصل إلى ما يقترب من 25 مليون جنيه (500 ألف دولار)، أما ثالث أيام العيد فاقتنص إيرادات ضخمة بلغت 26 مليوناً و282 ألف جنيه (525 ألف دولار تقريباً).

)أحمد عز وكريم عبد العزيز في مشهد من فيلم “سفن دوجز” (مواقع التواصل الإجتماعي
ارتفاع إيرادات الفيلم بهذه الصورة في حال استمرارها يدعم التوقعات بزيادة حصيلته الإجمالية التي قد تفوق أي فيلم آخر تم عرضه من قبل، وربما تكون تلك الأرقام القياسية نتيجة حجم الزخم الجماهيري الهائل الذي يحيط بالفيلم منذ انطلاقه.
والعمل يشارك فيه بطولته نخبة من النجوم العالميين مثل مونيكا بيلوتشي وسلمان خان وسانجاي دوت، إضافة إلى ماكس هوانج ومارتن لورانس، ويؤدي الأدوار الأساسية أحمد عز وكريم عبدالعزيز وتارا عماد ومنة شلبي وهنا الزاهد وساندي بيلا وناصر القصبي وسيد رجب وهالة صدقي وغيرهم من النجوم، وأخرج الفيلم عادل وبلال مخرجا فيلم “باد بويز”.
أما الفيلم الكوميدي “الكلام على إيه” بطولة مصطفى غريب وأحمد حاتم وآية سماحة وانتصار وسيد رجب فحقق في ثالث أيام العيد 4 ملايين و300 ألف جنيه (6 آلاف دولار تقريباً)، ووصل إجمال إيراداته نحو 42 مليون جنيه بعد نحو أسبوعين عرض (840 ألف دولار تقريباً).

فيلم ” الكلام على ايه” يقتنص المركز الثاني في شباك التذاكر المصري ويلاحق “سفن دوجز” (مواقع التواصل الإجتماعي)
ويدور العمل في إطار ساخر عن ليلة الزفاف وتفاصيلها بصورة كوميدية من خلال أربع قصص مختلفة تتعرض لأبرز مشكلات المقبلين على الزواج من أعمار وثقافات مختلفة.
وتفوق “الكلام على إيه” ثاني أيام العيد على فيلم “أسد” الذي سجل 4 ملايين و150 ألف جنيه (نحو 837 ألف دولار)، ووصلت إيراداته الكلية إلى 55 مليون جنيه (نحو مليون و100 ألف دولار) على رغم عرضه منذ نحو أسبوعين.

محمد رمضان في فيلم “أسد”حصد أرقام جيدة في بداية طرحه لكنها تراجعت نسبيا في أيام العيد (مواقع التواصل الإجتماعي)
فيما يلعب بطولة “أسد” محمد رمضان ورزان جمال وكامل الباشا وعلي قاسم ومن إخراج محمد دياب، ويدور العمل حول اختطاف طفل أسمر البشرة من أسرته وبيعه في سوق الرقيق حتى يكبر ويأتي وقت يطالب فيه بحريته هو وكل من وقع في فخ البيع كسلعة، ولتحقيق ذلك يواجه أكبر تجار الرقيق ويدفع الثمن غالياً بعدما يتزعم حركة لتحرير العبيد.
وأخيراً جاء فيلم “إذما” في المركز الرابع بإيرادات قاربت مليوني جنيه (نحو 40 ألف دولار)، والعمل بطولة أحمد داوود وجيسكا حسام، ويدور في إطار رومانسي اجتماعي، وقد بدأ طرح العمل بدور العرض ليلة عيد الأضحى.
توليفة متنوعة
تعد الأرقام مؤشراً رئيساً في رصد السوق الفني لكن وحدها لا تحكي كل شيء، لأن موسم هذا العام لا يشهد مجرد سباق إيرادات، بل صراعاً واضحاً بين أنواع مختلفة من السينما، وبين رهانات إنتاجية متناقضة، فهناك فيلم أكشن ضخم يحاول تقديم “بلوكبستر” عربي عالمي، ويجمع أبرز الممثلين في العالم العربي ونخبة من أهم النجوم على الساحة العالمية، وفيلم كوميدي يعتمد على “الإفيه” والمواقف الساخرة، ويستخدم موضوعاً جريئاً وهو ليلة الزفاف، وفيلم درامي شعبي يراهن على البطولة الفردية، وأعمال أخرى رومانسية هادئة تحاول البقاء وسط المنافسة الشرسة.
ذائقة الجمهور وتوجهاته
أرقام الإيرادات فتحت الباب مجدداً أمام كثير من التصورات المرتبطة بذائقة الجمهور واستقباله وتوجهاته، فمثلاً تصدر “سفن دوجز” سلط الضوء مرة أخرى حول قدرة أفلام “الأكشن” المبهرة والضخمة على السيطرة على السوق المصرية والعربية وجذب الجمهور بجميع أعماره بخاصة بعد النجاح القياسي الذي حققه فيلم “ولاد رزق 3” العام الماضي.

“سفن دوجز” يعيد لأفلام الأكشن بريقها وسيطرتها في جذب الجمهور (مواقع التواصل الإجتماعي)
أما فيلم “الكلام على إيه” فجاء كحالة مختلفة تماماً حيث لا يعتمد على الضخامة الإنتاجية، بل يراهن على الكوميديا الساخرة والإفيهات السريعة والطابع الشعبي الخفيف الذي يحترفه نخبة من نجوم الكوميديا الجدد الذين يحظون بشعبية كبيرة وسط قطاعات مختلفة من الجمهور مثل مصطفى غريب وحاتم صلاح ودنيا سامي وجيهان الشماشرجي.
وحقق العمل نجاحاً تزايد مع الوقت مع تصاعد ردود الفعل حوله على مواقع التواصل الاجتماعي، وقفز للمراكز الأولى مع زيادة عدد قاعات عرضه مقارنة بالأيام الأولى.
ويعكس نجاح “الكلام على إيه” وجود رغبة ملحة لدى الجمهور في متابعة الأفلام الخفيفة التي تميل للطابع الشعبي، وتناقش في الوقت نفسه قضايا جريئة بأسلوب ساخر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم النجاح حدث انقسام في الآراء بين المشاهدين، فبعضهم اعتبر العمل من أكثر الأفلام إضحاكاً خلال الأعوام الأخيرة، بينما انتقد البعض الآخر جرأة الكوميديا والاعتماد المكثف على “الإفيه” إضافة إلى المبالغة في بعض الشخصيات.
أزمة شائعة
وكان فيلم “أسد” لمحمد رمضان أحد أكثر الأفلام المنتظرة في الموسم الحالي، نظراً إلى نجومية بطله وغيابه عن السينما منذ فترة، إضافة إلى أن الفيلم يحمل طابعاً بطولياً مباشراً وقضية تحرير الرق في مصر.
وحقق العمل نجاحاً جيداً على رغم وجود سلسلة من الاتهامات والمشكلات مثل منع دخول الجمهور الذي يرتدي جلابية لصالات العروض، وكذلك اتهام العمل بدعم “الأفروسنتريك”.

أبطال فيلم أسد (مواقع التواصل الإجتماعي)
لكن مع تراجع وتيرة الإيرادات اتهم محمد رمضان البعض بسحب فيلمه من بعض دور العرض، وأشار إلى أن هذا هو السبب في ابتعاده عن المقدمة.
وتشير بعض الآراء أن فيلم “أسد” يواجه أزمة شائعة في عدد من أفلام البطولة الفردية حالياً وهي الاعتماد الكبير على حضور النجم من دون وجود حال جماهيرية عامة حول الفيلم نفسه.
وفتح العمل باب النقاش حول قدرة الدراما الشعبية على المنافسة على شاشات السينما مقارنة بأفلام الأكشن والكوميدي والجريمة والتشويق.
وأخيراً استقر فيلم “إذما” في ذيل المنافسة، ومع ذلك استطاع تحقيق حضور معقول قياساً بعدد شاشاته المحدود، واعتمد الفيلم على مساحة مختلفة تميل للدراما النفسية والاجتماعية، بعيداً من الضجيج الجماهيري للأعمال الكبرى.
معارك اقتصادية
تحقيق دور العرض كل هذه الملايين في أيام يعني أن السينما المصرية تعيش حالياً مرحلة انتعاش واضحة على مستوى الشباك، وأن مواسم الأعياد تحولت إلى معارك اقتصادية ضخمة تتداخل فيها عوامل النجومية، وعدد الشاشات، والتسويق، وحتى الترندات اليومية على تطبيقات مثل “إنستغرام” و”فيسبوك” و”تيك توك” و”إكس”.
ويؤكد الارتفاع في معدلات الإيرادات اليومية الحالية وجود طفرة حقيقية سببها التوسع الكبير في عدد دور العرض، وارتفاع أسعار التذاكر، إضافة إلى عودة الجمهور بقوة إلى السينما بعد أعوام من التراجع.
وعلى رغم هذا الانتعاش التجاري يطرح عشاق السينما سؤالاً جوهرياً وهو هل تعني الإيرادات الضخمة بالضرورة جودة فنية؟ وهنا تنقسم الآراء، فهناك من يرى أن السينما في النهاية صناعة جماهيرية وتجارة ومصدر للدخل، وأن النجاح الحقيقي يقاس بعدد التذاكر المبيعة وقدرة الفيلم على خلق حال عامة.
بينما يرى آخرون أن الفيلم لا يعتمد في جوهر نجاحه على ما يحققه من أموال طائلة بدليل أن أعظم الأفلام فنياً ونقدياً لم تحقق إيرادات مرضية، بينما بعض الأفلام الناجحة مادياً اعتمدت أكثر على الضجيج الدعائي والإبهار البصري من دون تقديم محتوى درامي متماسك.
