عائشة بن حويرب المهيري: كل تجربة عطرية تحمل امتناناً للحياة

#ملهمون

عند ملتقى الذاكرة والهوية، تصوغ عائشة  بن حويرب المهيري رحلتها في عالم العطور، كحكاية تتجاوز حدود الرائحة؛ لتلامس الإنسان في عمقه. فتجربتها ليست مجرد مسار مهني، بل تحوّل إنساني شكّلته محطات من التعلم والتحدي والانتماء، حيث تلتقي الدقة الفرنسية بروح الإرث الإماراتي في رؤية ترى العطر لغةً، تحفظ المشاعر، وتروي الحكايات. إن رحلة المهيري لم تكن بمنأى عن تحديات صحية قاسية؛ لدرجة أنها، خلال فترة معينة، حُرمت أقرب ما يعبّر عنها (العطر). لكنَّ هذه التجربة عمّقت شغفها، ومنحتها وعياً مختلفاً بالحياة؛ فعادت برؤية أكثر إنسانية، تحمل في كل تركيبة أثراً من صمود، وقصة انتصار هادئ. وهكذا، يصبح العطر لديها تعبيراً حيّاً، يترجم الألم إلى أمل، والذاكرة إلى حضور نابض.. في هذا الحوار، نلقي بالضوء على رحلة المهيري كمبتكرة عطور، وخبيرة، ومدربة، وكاتبة حافظة للتراث:

عائشة بن حويرب المهيري: كل تجربة عطرية تحمل امتناناً للحياة
عائشة بن حويرب المهيري: كل تجربة عطرية تحمل امتناناً للحياة

حدثينا عن مشاركتكِ في مشروع «مبدعة»، وكيف شكّلت نقطة تحوّل في مسيرتكِ!

كانت مشاركتي في مشروع «مبدعة» لحظة مفصلية؛ فقد حظيت بدعم معنوي، ومادي، وتدريب من دولتي الغالية، ما أعاد صياغة ثقتي بنفسي كهوية إبداعية متكاملة. ومنحني المشروع مساحة؛ للتعبير عن شغفي بطريقة احترافية، وربطني بمنظومة داعمة من الخبرات؛ فانتقلت من مرحلة الشغف الفردي إلى التأثير الحقيقي في هذا المجال.

قصة هوية 

كيف أثّرت تجربتكِ الدراسية بفرنسا في رؤيتكِ لصناعة العطور؛ عند عودتكِ إلى الإمارات؟

أشعر بالفخر؛ لأنني ابنة هذا الوطن المعطاء، الذي أتاح لي فرصة الدراسة في «غراس»، حيث فُتحت لي أبواب الفهم العلمي العميق للعطر. وفي الوقت ذاته، أدركت قيمة ما نملكه في بيئتنا؛ فعدتُ برؤية تمزج الدقة الفرنسية بالروح الإماراتية؛ فأصبحت أرى العطر قصةً، وهويةً، وثقافةً.

إذا عدنا إلى البدايات، فهل تتذكرين أولى النوتات، التي احتفظتِ بها في دفتركِ؟

نعم، كانت مزيجاً بسيطاً لكنه كان صادقاً؛ وتكوّن من: دهن العود، والورد الطائفي، والمسك الأبيض، كلها ممزوجة ببعض العطور الفرنسية المتوفرة حينها. لم تكن هذه التركيبة احترافية، بقدر ما كانت انعكاساً لذاكرة طفولتي، وروائح البيت، وكانت تلك اللحظة بدايةً لإدراكي قدرة العطر على حفظ المشاعر.

كيف حولت التحديات الصحية إلى مصدر قوة، وإلهام، في مسيرتكِ المهنية؟

تلك المرحلة كانت من أصعب فترات حياتي؛ فقد حاربت السرطان مرتين، وكان أصعب ما فيها منعي من استخدام العطور. لكنني اخترت أن أتعامل معها كفترة تأمل، وإعادة لتعريف علاقتي بالعطر. بعد التعافي، عدتُ بشغف أعمق، كأنني أكتشفه من جديد؛ فأصبحتْ كل تجربة عطرية تحمل امتناناً للحياة.

ماذا تعني لكِ الأمومة، وكيف انعكست على إبداعكِ وصياغتكِ للعطور؟

الأمومة أعادت تشكيل إحساسي بالعطر؛ إذ أصبحتُ أكثر حساسية للتفاصيل، وأكثر ميلاً إلى الدفء والحنان في التركيبات. وانعكس ذلك في عطور تحمل طابع الاحتواء والهدوء، كأنها تُحاكي «ذاكرة حضن الأم».

إرث عريق

كخبيرة في متحف دبي للعطور.. كيف ساهمت تجربتكِ في صقل رؤيتكِ الإبداعية؟

عمّقت هذه التجربة ارتباطي بالجذور؛ فعندما تعملين وسط تاريخ حي للعطر، تدركين أنكِ امتداد لإرث عريق. هذا الوعي جعلني أكثر مسؤولية في كل تركيبة أقدّمها؛ لتَحْمِل بُعْداً ثقافياً، وليس جمالياً فقط.

كمدرّبة.. ما الذي تحرصين على نقله إلى طلابكِ؟

أحرص على نقل ما هو أبعد من التقنية؛ مثل: فهمهم العطر كهوية، والبحث عن صوتهم الخاص. كما أشجعهم على التجربة، واحترام التراث، وإدراك أن التميز يأتي من الصدق في التعبير.

ما الذي دفعكِ إلى إصدار كتاب «بنة عباءة جدتي»، وما أهميته الثقافية؟

كان الدافع شعوري بمسؤولية توثيق ذاكرة قد تضيع مع الزمن؛ فهذا الكتاب لا يتناول العطور فحسب، بل يروي حكايات الناس، والعادات، والروائح التي شكّلت وجداننا، وتكمن أهميته في حفظ جزء من الهوية الإماراتية للأجيال القادمة.

اليوم.. كيف تنظرين إلى دوركِ في حفظ التراث العطري الإماراتي، وتقديمه إلى العالم؟

هذا الدور مسؤولية كبيرة؛ فأنا لا أقدّم عطراً فقط، بل أقدّم قصة بلد، وثقافته. إن هدفي أن يصل هذا التراث إلى العالم بأسلوب معاصر، دون أن يفقد روحه الأصيلة.

طاقة خاصة

ما الرسالة، التي تحملها علامة «عطري»؟

تجسّد «العلامة» فكرة أن الرائحة ليست ساكنةً، بل حيّةٌ؛ لذلك تنتشر، وتلامس الآخرين، وتبقى في الذاكرة. كما تحمل «عطري» رسالة بأن لكل إنسان طاقةً خاصةً، تفوح كما يفوح العطر؛ لتعبر عن هويته، ومشاعره، وجذوره.

عائشة بن حويرب المهيري: كل تجربة عطرية تحمل امتناناً للحياة
عائشة بن حويرب المهيري: كل تجربة عطرية تحمل امتناناً للحياة

كيف توازنين بين الأصالة الإماراتية، والتوجّه العالمي؟

أوازن بينهما من خلال فهم عميق لكليهما؛ فأحافظ على المكونات، والروح المحلية، وأعيد تقديمها بأسلوب حديث يناسب الذوق العالمي، دون أن تفقد جوهرها.

مرجع معاصر 

ما رؤيتكِ المستقبلية للعلامة؟

أسعى إلى جعل «عطري» علامة عالمية، تحمل توقيعاً إماراتياً واضحاً، وأن تصل إلى منصات دولية كمرجع للعطر العربي الأصيل بأسلوب معاصر، كما أطمح إلى توسيع الجانب التعليمي، ونشر ثقافة العطور.

ماذا تقولين لمن يطمحون إلى دخول عالم صناعة العطور؟

أقول لهم: ابدؤوا بالشغف، لكن لا تكتفوا به.. تعلّموا، وجرّبوا، واصبروا؛ فهذا المجال يحتاج إلى وقت وحسٍّ عالٍ. والأهم أن تبحثوا عن هويتكم الخاصة، وألا تقلّدوا أحداً.

إذا طُلب منكِ ابتكار عطر، يُجسّد تراث وثقافة الإمارات، فكيف ستكون ملامحه؟

سيبدأ بنفحات نظيفة، ومشرقة، لترمز إلى النهضة، وسيتوسطه الورد والزعفران؛ تعبيراً عن الكرم والأصالة، وسيرتكز إلى قاعدة غنية من العود والعنبر، تمثل العمق والتاريخ، كما سيجمع بين الحداثة، والجذور.. تماماً كالإمارات!