في فضاء يغلب عليه البياض، لا بوصفه لوناً فحسب، بل باعتباره ذاكرةً وضوءاً وحالةً نفسية مفتوحة على التأويل، تتجاور أعمال فنانين وأكاديميين من مشارب بصرية متعددة داخل معرض «وايت» المقام في غاليري «XVA» في حي الفهيدي التاريخي بدبي، لتفكيك أكثر الألوان التباساً وغموضاً.

هنا يتحول الأبيض من مساحة صامتة إلى حقل خصب للأسئلة الفنية والفلسفية، حيث تتقاطع التأملات السريالية مع التجارب البصرية المعاصرة، في محاولة لاستكشاف ما يخفيه العقل والذاكرة والضوء خلف هذا اللون الذي طالما ارتبط بالنقاء والفراغ والبدايات الأولى.
ومن بين هذه التجارب، تبرز أعمال الفنانة التشكيلية مريم القاسمي التي تستند إلى تقنية «الأوتوماتيكية» السريالية، مستلهمةً مفهوم «المادة البيضاء» في الدماغ بوصفها استعارة بصرية لقوة اللاوعي وتشظي الذاكرة والمشاعر.
في حين يفتح الفنان والقيّم الفني تور سيدل باباً آخر للتأمل في الأبيض باعتباره ظاهرة إدراكية وثقافية تتجاوز حدود اللون، لتغدو الأعمال المشاركة في المعرض أشبه بحوار فكري وبصري يكشف كيف يمكن للبياض أن يحتضن هذا الكم الهائل من المعاني والتجارب الإنسانية.

مريم القاسمي
وفي هذا السياق، أكدت الفنانة التشكيلية مريم القاسمي، في حديثها لـ«البيان»، أن أعمالها الفنية الأخيرة تعتمد بشكل رئيس على تقنية «الأوتوماتيكية» (Automatism)، وهي المنهجية التي اشتهر بها السرياليون في عشرينيات القرن الماضي.
والتي تمنح مساحة كبرى للعقل الباطن في توجيه العملية الإبداعية، مشيرةً إلى أن تسمية لوحتها المشاركة في المعرض «وايت ماتر» مستوحاة من المادة البيضاء الموجودة في الدماغ البشري.
وأوضحت أن اختيار هذا الاسم جاء ليعكس قوة العقل اللاواعي الذي يمتلك تأثيراً يفوق العقل الواعي، وهو ما حاولت تجسيده من خلال اللوحة كتمثيل بصري لما يمكن أن يخرجه العقل من مكنونات، كاشفةً أن اللوحة أُنجزت في ظروف استثنائية، ما أضفى عليها خلفية عاطفية عميقة، ومشاعر متباينة تؤكد أن الفن هو مرآة للحالة النفسية والزمنية التي يعيشها الفنان.
وحول طبيعة المعرض الجماعي، أشارت إلى أنه يركز بشكل أساسي على اللون الأبيض، حيث قدم كل فنان رؤيته الخاصة لهذا اللون، قائلةً: «بالنسبة إليَّ، يُعد اللون الأبيض من أهم الألوان؛ فهو أول لون ينفد من لوحة الألوان لدى أي رسام، نظراً إلى دوره المحوري في دمج الألوان وخلق التكوينات».
ولفتت إلى أنها لا تسعى لفرض فكرة محددة على المتلقي، بل يهمها ما يشعر به المشاهد عند رؤية اللوحة، موضحةً أن العمل السريالي يمنح المشاهد فرصة لاكتشاف رموز وأشياء تخص ذاته وتجاربه الشخصية، أكثر مما تخص الفنان نفسه، ما يجعل اللوحة تتحدث عن نفسها، وتخلق حواراً منفرداً مع كل زائر.

تور سيدل
من جانبه، أكد الفنان التشكيلي تور سيدل أن اللون الأبيض يمثل تقاطعاً معرفياً معقداً بين مختلف الفنون، مشيراً إلى أن المعرض يسعى لتفكيك هذا المفهوم من زوايا تقنية وفلسفية تتجاوز النظرة التقليدية للألوان كأدوات للرسم فقط.
وأوضح سيدل، خلال جولة تعريفية بأعمال المعرض، أن هناك فرقاً جوهرياً في إدراك الأبيض بين الفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي، لافتاً إلى أن الرسام أو مصمم الأزياء يتعامل مع الأبيض كمادة أو صبغة تخضع لمكونات كيميائية أو خامات طبيعية كالقطن، في حين أن المصور الفوتوغرافي يراه طاقة ضوئية تخضع لقوانين الفيزياء.
واستشهد بظاهرة انكسار الضوء عبر المنشور الزجاجي، مبيناً قدرة العقل البشري المذهلة على معالجة الألوان وتصحيحها ذاتياً ليرى الأبيض نقياً، في الوقت الذي قد تعجز فيه العدسات التقنية عن التقاطه بالدقة ذاتها دون تدخل تقني.

تصوير: عبدالله المطروشي
وعن عمله المشارك، كشف سيدل عن قيامه بإعادة بناء مشهد تاريخي مستوحى من معرض «0.10» الشهير الذي أقيم في روسيا مطلع القرن العشرين للفنان كازيمير ماليفيتش.
مشيراً إلى أنه صمم المشهد بالكامل من الورق وبمقاييس حقيقية، بهدف اختبار «الذاكرة الثقافية» للمتلقي، ومدى قدرة الصورة الذهنية على التغير من شخص لآخر رغم ثبات الأصل التاريخي.
وأشاد سيدل بالتنوع الإبداعي للأكاديميين المشاركين في المعرض، حيث استعرض أعمالاً تجمع بين الأصالة والتقنية الحديثة، مؤكداً أن المعرض ليس مجرد عرض للأعمال الفنية، بل حوار فكري يثبت أن «الأبيض» مساحة شاسعة للبحث والتقصي، تتلاقى فيها الخبرات الأكاديمية مع خيال الفنان المبدع.
