لا يمكن تأمل المشهد الفني المعاصر في قطر دون التوقف عند تجربة الفنان التشكيلي والجرافيكي عبد الرحمن المطاوعة، الذي لا يرى الفن مجرد مهنة داخل الاستوديو، بل أسلوب حياة يومي يعيد من خلاله صياغة التراث القطري برؤية بصرية حديثة.
بدأت ملامح تجربته الفنية عام 1987، حين انطلق في رسم تفاصيل الواقع القطري البسيط، موثقا العادات والتقاليد، ورحلات الغوص، والحياة الاجتماعية، إلى جانب المباني التراثية القديمة، لتتشكل بذلك أولى ملامح مخزونه البصري.
وشهد عام 1996 نقطة تحول مهمة في مسيرته، حين اتجه إلى التخصص في الفن الجرافيكي والطباعة اليدوية، حيث حصل على شهادات متقدمة في هذا المجال، وأسس استوديو خاصا به، وهو ما لفت انظار الكثيرين الى فنه.
وتنقل المطاوعة بين تقنيات متعددة مثل الطباعة بالشاشة الحريرية (السلك سكرين)، والطباعة البارزة والغائرة، مسخرا هذه الأدوات لإنتاج أعمال تحمل رؤية معاصرة، وهو المسار الذي يواصل تطويره حتى اليوم، لا سيما منذ عام 2024.

محفظة أعمال جسدت التجربة
هذا الشغف بالفن لم يعشه عبد الرحمن المطاوعة وحيدا، بل يتقاسمه في بيته مع زوجته الفنانة التشكيلية التي شاركته الرحلة وتخصصت هي الأخرى في فنون الطباعة، وحضرت ورشات مكثفة حتى وصلت إلى إتقان لافت لتقنية “الليثوغراف” (الطباعة الحجرية).
هذا التناغم أثمر عن مشاركات ومعارض مشتركة في المغرب، حيث حظيا مؤخرا بموافقة وزارة الثقافة والفنون هناك لإقامة معرض ثنائي مميز في ديسمبر القادم.
وعند تصفح كتابه الفني الخاص، تكتشف أنه ليس مؤلفا نظريا، بل هو عبارة عن محفظة أعمال مصورة (Portfolio) تختزل مشروعه الإبداعي؛ حيث يفتح فيه أوراقه الخاصة ليعرض “الأسكتشات” والخطوط الأولى، ومصادر إلهامه، وأفكاره الفلسفية، ليكون هذا الكتاب بمثابة المخطط البصري والشاهد الحقيقي على المشاريع الفنية التي يعمل على تنفيذها وخروجها إلى النور.
من قطر إلى بيلباو… فنان وحيد بين مئة مبدع
طموح المحترف الجرافيكي عند عبد الرحمن المطاوعة لم يعرف الحدود، ففي عام 2025 وضع بصمة قطرية استثنائية في معرض مؤسسة “بيلباو” الدولية في إسبانيا، وهي المؤسسة العالمية المرموقة التي تعنى بحافري ومطبوعي الجرافيك يدويا.
من بين 100 فنان تم اختيارهم من كل أنحاء العالم، كان هو الفنان العربي الوحيد الذي وقع عليه الاختيار؛ حيث شارك بمجموعة من أعماله المنفذة بتقنية “الليثوغراف” (الطباعة الحجرية)، ليدخل رسميا في سجلات هذه المؤسسة الدولية كفنان تشكيلي متخصص في هذا الفن النادر.
“الجرافيك المعاصر”… قصة نجاح ولدت في كتارا
محليا، يعود رئيس ومؤسس المعرض عبد الرحمن المطاوعة بذاكرته إلى النسخة الأولى من معرض “الجرافيك المعاصر” التي احتضنتها المؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا في عام 2023.
وفي النسخة الثانية، كبر الحلم ليجمع المعرض 29 فنانا تشكيليا، ومراعاة للمساحة وتنسيق المعرض، قنن المشاركات لتقتصر على ستة أعمال لكل فنان ليتنفس المعرض بصريا.
وفي هذا المعرض، قدم عبد الرحمن المطاوعة أكثر من 40 لوحة فنية ساحرة اعتمدت على حفر الخشب بتقنية الطباعة البارزة، ليناقش من خلالها قضايا دافئة تمس روح المجتمع؛ مثل دفء الأسرة، وعلاقات المودة بين المرأة والمرأة، والمرأة والرجل، والأم وطفلها.
وتجلت عبقريته التراثية في دمج تقنية الطباعة العالمية المعروفة باسم “تشين كوليه” (Chine-collé)؛ حيث وظف أوراقا رقيقة شفافة، وقطعا من الحرير والحرير القديم (الخلق) ليكبسها فوق اللوحة، مما منح الأعمال ملمسا دافئا يحاكي تفاصيل الملابس والأقمشة القطرية التقليدية.
ومع هذه المسيرة الفنية الرائدة لم ينسَ عبد الرحمن المطاوعةأن يشيد بالحي الثقافي (كتارا) الذي آمن بفكرته ووفر له كل الدعم والنجاح، معبرا عن سعادته بالصدى الكبير والثناء الذي حظيت به الورشة الفنية التي قدمها على هامش المعرض، والتي جمعت فنانين من دول مجلس التعاون الخليجي وتبادلوا فيها الخبرات والتقنيات المستوحاة من تجربته الشخصية الطويلة في عالم الطباعة اليدوية.
المصدر: تلفزيون قطر + مواقع التواصل
الرابط المختصر: https://msheireb.co/bta
تم النسخ!
اشترك في قائمتنا البريدية
أخبار قطر بين يديك.. اشترك الآن وستصلك ملخصاتنا الإخبارية أولا بأول
البريد الإلكتروني
اشتراك
