
محمد عبد الرحيم
القاهرة ـ «القدس العربي» : تواصل الفنانة المصرية دينا فاضل رحلتها من خلال اللون في معرضها المعنون بـ»ثمرة الروح»، الذي أقيم مؤخراً في غاليري (بيكاسو) في القاهرة. هذه الرحلة التي امتدت من خلال معارضها السابقة ولم تزل تتأكد في معرضها الحالي. تحاول فاضل التوسل بالطبيعة وألوانها لخلق حالة تعتمد الإحساس في المقام الأول، التي تنتقل بدورها إلى المُتلقي، من دون حاجة إلى شرح أو تعقيد، فقط اكتمال المشهد/الحالة بهذا التواصل بين الفنان والمتلقي عبر العمل الفني.
قد يبدو هذا الكلام مدرسياً، لكن يمكن توضيحه من خلال اللوحات لوناً وتكويناً، ليصبح التشخيص ـ حيث وجِد ـ جزءاً لا يتجزأ من عالم يبدو متكاملاً يخلق شخوصه، الذين يتماهون مع هذا العالم، من دون أي نغمة لونية تخرج عن هذا الإيقاع وأرواح أصحابه.
حياة اللون
من خلال ألوان نقية في ذاتها ومتداخلة تتكون اللوحات على اختلافها.. امرأة تحاول رؤية حقيقتها في المرآة، أو تكامل روح وجسد رجل وامرأة في شكل باقة زهور، وهكذا فكرة التواصل مع الطبيعة مع حضور الجسد الإنساني الذي يصبح تكويناً لا ينفصل عنها، بل ينبع منها ويحتويها. كأن يصبح الجسد هكذا يحتوي العالم وتفاصيله. هذا التواصل مع القوة العليا هو أساس وجود الشخصيات، التي بدورها تشعر بالاكتمال والرضا، من دون أي حالة من حالات الفقد أو الشعور بالنقصان. هذه البهجة تبتعد تماماً عن كل ما هو مباشر، ولا تتمثل أيقونات مُستَهلكَة كشكل من أشكال موضات يتوسل بها أصحابها البعيدون عنها تماماً، والمضروبون بآفة استشراقية معهودة عن الشرق والتصوّف، وهكذا مصطلحات يطلقونها على أنفسهم، تماماً كما يطلبون أن يطلقها عليهم أصدقاؤهم من النقاد أو محترفي الكتابة في الصحف.
الحركة
لا تخلو لوحة على اختلاف تكوينها من حركة، ربما يمكن استشعارها في بعضعها، أو تبدو مباشرة في البعض الآخر، لكنها دائماً تدور في مزيج من الألوان والتكوينات، ليختلط الجسد مع الشجر، أو مع قمر في السماء، أو نبع ماء، أو تكوين غامض يمكن أن تلمح من خلاله تفاصيل لجسد إنساني يكاد يفنى، وكأنه في حالة تواصل دائم مع الكون ككل.
التناغم
وحتى تتأكد حالة التواصل هذه في اللوحات بين الكائن الفاني/الإنسان والطبيعة، كوسيلة من وسائل الوصول إلى المطلق، تأتي حالة من التناغم التي تصر الفنانة على وجودها، أو اختلاقها من دون افتعال، وهي الحالة التي يستشعرها المُتلقي، من دون البحث عن مُسميات أو تفلسف مُتعمَّد يُفسد اللحظة أو الحالة على صاحبها، أو على أقل تقدير يُعطلها لحساب منطق الوقائع. وهي حالة مراوغة تكشف مدى زيف تأثر المُتلقي وادعاء تعايُشه أو محاولته عقلنة ما يراه، والبحث عن كلمات ركيكة تصيبه هو قبل أن تصيب الحالة/اللوحة، وكأنها سداً أقامه بنفسه بينه وبين العمل الفني.
المتلقون وأحوالهم
لعبت دينا فاضل لعبة طفولية في المعرض، بأن تضع ورقة فارغة بجوار كل لوحة ليُسجّل المتلقي انطباعة ـ فالطبيعة ليست ساذجة كما يتراءى للبعض ـ فجاءت العبارات المثقفة مدعاة للرثاء والضحك ـ فالضحك أيضاً من أمارات الطفولة ـ فحاول مدّعو التثاقف الالتفاف على الأمر كالعادة، لتأتي كلماتهم وعباراتهم كالنغمة الوحيدة النشاز في المكان، كاشفة وفاضحة لمثل هذا الزيف. فلا بد أن تكون الكلمات مثقفة وغامضة، متعالية وبليغة بلاغة الجهل، من قبيل.. «الدوامة الجميلة»، «عين الروح»، «الزهرة المتحررة»، «عين الورود»، و»الحدائق المُعلقة»، وهكذا عبارات تتجاوز التفاهة إلى الشفقة عليها وعلى أصحابها.
يا الله
ونختتم بهذه العبارات الأشبه بـ(الصلاة)، والكاشفة أيضاً لتهافت أرواح الزوار المتصوفين بالمناسبة، والتي كتبتها دينا فاضل بنفسها، لتجاور إحدى لوحاتها قائلة.. «يا الله.. اجعل كل ألواني تُسبّح لك/مثل الأشجار والبحار/ومثل كل ثمرة ووردة/اجعل في الأبيض اسمك السلام/وفي تدرجات الأزرق اسمك الرزاق/وفي الأخضر سر الخلق/وفي الورد اسمك الودود/واختم ألواني بنورك/حتى لا أرسم إلا منك/ولا أرى إلا بك».


