عشية افتتاح المعرض الاستعادي في متحف والاس بلندن، 20 مايو 2026 (Getty)

شكّلَ الجانب الآخر من شخصية ونستون تشرشل، المتعلق بمواهبه في الكتابة والخطابة، مادة مثيرة للانتباه حملته نحو جائزة نوبل للآداب التي مُنحت له في العام 1953. غير أنّ شخصية تشرشل الرسام لم تكن مثيرة جداً في أثناء حياته، إذ لطالما اعتبر بعض النقاد أعماله أعمال هاوٍ موهوب أكثر من كونها أعمال فنان استثنائي. لكن الجمهور الذي يهوى سيرةَ حياة رئيس وزراء بريطانيا الأسبق وتفاصيلَها لم يحظ بفرصة مشاهدة لوحاته طيلة العقود الماضية، ما دفع مجموعة والاس في لندن إلى افتتاح معرض بعنوان “ونستون تشرشل: الرسام”، في 23 الشهر الماضي ويتواصل حتى 29 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

اللوحات الخمسون تُجمع للمرة الأولى بعد استعارتها من مجموعات خاصة وعامة متعددة، في أول معرض استعادي لتشرشل منذ وفاته. مجموع لوحاته التي يقدر عددها بأكثر من 500، ارتبط بجوانب شخصية على هامش مسيرته السياسية، ويمكن القول إنها لم تكن مشروعاً متكاملاً وإنما انشغالات ذاتية قدمت بعض العلاج للتوتر الدائم المرتبط بحياته؛ إذ أنجزها في أوقات مبعثرة وتوزعت في النهاية بين مجموعات شخصية متعددة حول العالم.

لا يحاول المعرض تقديم تشرشل بوصفه “رساماً عظيماً” بالمقياس الأكاديمي، بقدر ما يكشف جانباً إنسانياً وخفياً في شخصية رجل ارتبط اسمه بالحرب والسياسة والخطابة؛ فالرسم عنده لم يكن ترفاً أرستقراطياً، وإنما هو نوع من النجاة النفسية. وأكد هذا الأمر في كتاب أصدره بعنوان “الرسم كهواية”، تحدث فيه عن الظروف التي جعلته يقترب من الريشة والألوان فقال: “عندما غادرت الأميرالية (وزارة البحرية) في نهاية مايو/أيار 1915، ظللت عضواً في مجلس الوزراء ومجلس الحرب. وفي هذا المنصب، كنت أعرف كل شيء ولم أكن أستطيع فعل شيء.. كانت لدي ساعات طويلة من الفراغ غير المعتاد تماماً، أتأمل فيها الأحداث الرهيبة للحرب. وفي لحظة كانت فيها كل خلية في كياني ملتهبة بالعمل، أُجبرت على البقاء متفرجاً على المأساة، ووُضِعتُ بقسوة في المقاعد الأمامية، وحينها جاءت ربة الرسم لإنقاذي”.

تأثر بأساليب الانطباعيين الفرنسيين مثل كلود مونيه
 

تتنوع الأعمال المعروضة بين مشاهد متوسطية مشبعة بالشمس، ومناظر بحرية هادئة، إضافة إلى مشاهد من جنوب فرنسا. كما تتميز اللوحات التي رسمها تشرشل في المغرب، بألوانها الدافئة وتبايناتها الحادة وتظهر العمارة والأسواق والفضاءات المفتوحة. من بين الأعمال المعروضة تبرز ثلاث لوحات على نحو خاص. أولها “برج مسجد الكتبية”، التي رسمها تشرشل في مراكش عام 1943، وتُعد من أشهر لوحاته. وتصور اللوحة المسجد التاريخي مغموراً بضوء الغروب، فيما تمتد في الخلفية قمم جبال الأطلس تحت سماء صافية. 

أما لوحة “شاطئ وولمر” فتقدم منظراً بحرياً إنكليزياً يبدو ساكناً للوهلة الأولى، حيث يلتقي البحرُ السماءَ في أفق مفتوح. غير أن وجود مدفع يطل على الساحل يضفي على المشهد توتراً خفياً. وتأتي لوحة “بركة السمك الذهبي في تشارتويل” لتكشف قدرة تشرشل على التقاط التفاصيل اليومية البسيطة وهي من الأعمال التي يرى نقاد أنها تمثل ذروة نضجه الفني.

في موضع آخر من كتاب “الرسم كهواية” يتحدث تشرشل أنّ الاحتكاك بالرسم في سن متقدمة يمكن أن يغير في حياة المرء: “طوبى للرسامين، فلن يكونوا وحيدين أبداً؛ فالضوء واللون، والسلام والأمل، سترافقهم جميعاً حتى نهاية اليوم، أو حتى نهايته تقريباً”.

اللافت في لوحات تشرشل عموماً أنها تكاد تخلو من أجواء الحرب التي عاشها، فهي تميل إلى المناظر المتوسطية المضيئة، وحدائق منزله في تشارتويل، والمرافئ الفرنسية والمغربية، والطبيعة المشبعة باللون والضوء. كأن الرجل الذي قاد بلاده في الحرب كان يبحث فوق القماش عن عالم معاكس تماماً: عالم ساكن، دافئ، خالٍ من الصراع. وقد تأثر بأساليب الانطباعيين الفرنسيين مثل كلود مونيه، وكذلك بالرسامَين البريطانيَّين جون لافيري ووالتر سيكرت.