مظاهرة ضد الوجود الإسرائيلي في بينالي فينيسيا، 8 مايو/ أيار 2026 (Getty)
تكتسب دعوات المقاطعة الفنية والثقافية للمؤسسات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي أهمية متزايدة في المشهد الثقافي والفني الدولي، لكونها تضع هذه المؤسسات الفنية الكبرى في مواجهة بين خطاباتها القِيَمية وسياساتها التمويلية. كما تنفذ هذه الاحتجاجات إلى عُمق البنى الإنتاجية كاشفة آليات المنظومة الثقافية المتورّطة في منح غطاء شرعي لمرتكبي الإبادة في غزة.
وتتجلى مظاهر هذا الحراك عبر عدّة جبهات متزامنة في المشهد الأوروبي؛ إذ شهدت بريطانيا مطلع الشهر الجاري توقيع أكثر من 250 فناناً وكاتباً وعاملاً ثقافياً رسالة مفتوحة تُطالب خمسة مسارح كبرى، هي: المسرح الوطني، وفرقة شكسبير الملكية، ومسرح رويال كورت، ويونغ فيك، ومسرح ألميدا، بإنهاء شراكاتها مع مؤسسة بلومبيرغ الخيرية والبحث عن مصادر تمويل بديلة تتوافق مع التزاماتها الأخلاقية المعلنة. وضمّت قائمة الموقّعين على الرسالة المفتوحة 261 شخصية من عالم المسرح والسينما والفنون، من بينهم الكاتبات المسرحيات: كاريل تشرشل، وصابرينا محفوظ، وحنة خليل، إلى جانب الممثلة ميريام مارغوليس.
واستندت الرسالة إلى تقارير تفيد بتمويل مؤسسة بلومبيرغ الخيرية مركز ساغول للقيادة الحضرية في جامعة تل أبيب، وهو مركز يقدم برامج تدريبية لرؤساء البلديات والمسؤولين المحليين، بمن فيهم مسؤولون يعملون في مستوطنات إسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة؛ حيث يوضح الموقعون أن وثائق وأدلة جديدة تُظهر ارتباط المركز بمشاريع استيطانية.
فنانون بريطانيون عارضوا تمويل بلومبيرغ لخمسة مسارح
وجاء في الرسالة أن استمرار التعاون مع المؤسسة “يقوّض الالتزامات الأخلاقية” التي تعلنها تلك المسارح، مشيرة إلى أن بعض هذه المؤسسات تتبنّى سياسات واضحة برفض التمويل المرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان أو جرائم الحرب أو التمييز. وبناءً على ذلك، طالب الفنانون المسارح باتخاذ ثلاث خطوات رئيسية هي: وقف أي تمويل أو دعم مستقبلي من بلومبيرغ الخيرية، والكشف العلني عن جميع الرعاة والمتبرعين الرئيسيين وآليات التحقق الأخلاقي المعتمدة لديها، والعمل بشكل جماعي داخل القطاع الثقافي لإيجاد بدائل تمويل لا ترتبط بالعنف أو القمع.
أما في فرنسا، فقد تبلور هذا الرفض، الأسبوع الماضي، من خلال عريضة دعا إليها فنانون احتجاجاً على مشروع “مركز بومبيدو هانوا” في سيول، الذي يربط المؤسسة الفرنسية بمجموعة صناعية كورية. غير أن هذا التعاون سرعان ما أثار انتقادات حادّة في الأوساط الفنية الأوروبية، بعد تقارير عن علاقات سابقة تربط شركات تابعة لهانوا بشركتي “إلبِت سيستمز” و”إلتا سيستمز” الإسرائيليتين المختصتين بالصناعات العسكرية. ومن بين الموقّعين أسماء بارزة في المشهد الفني الفرنسي والدولي، من بينهم الفنان اللبناني علي شري، والفنانة ليلي رينو-دوايار الحاصلة على جائزة مارسيل دوشامب. وأثار هذا التعاون انتقادات واسعة رأت فيه نموذجاً صريحاً لـ”التلميع الثقافي” المصمم لخدمة مصالح اقتصادية ذات طابع تسليحي.
أما في إيطاليا، فقد اتخذ الحراك طابعاً أكثر راديكالية وعمقاً مع مجموعة “فنّ لا إبادة” التي أعلنت حراكاً احتجاجياً واسعاً متزامناً مع “بينالي فينيسيا”؛ إذ لم يقتصر الأمر على الإضراب والمطالبة بإغلاق المساحات الفنية والاعتراض على الحضور الإسرائيلي الذي وصفته مجموعات فنية ونقابية بـ”جناح الإبادة”، بل تطور الاحتجاج أخيراً مع إعلان أكثر من مئة فنان مشارك في الدورة الحالية عزمهم اتخاذ إجراءات قانونية ضد مؤسسة البينالي، بعدما تجاهلت مطالب الفنانين بسحب أسمائهم من المنافسة على جوائز “أُسود الزوّار” التي استُحدثت بديلاً بعد استقالة لجنة تحكيم جوائز “الأسد الذهبي” بالكامل إثر إعلانها رفض النظر في ترشيحات الأجنحة التابعة لدول متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ومنها إسرائيل وروسيا.
تؤسّس مثل هذه الاحتجاجات لسياسة مقاطعة ثقافية جديدة تنظر إلى الشراكات الفنية بوصفها علاقات سياسية واقتصادية قابلة للمساءلة، لا ترتدي حياداً تنظيمياً. وتدفع الفنانين إلى التشدد في فحص مصادر التمويل ورفض الانفصال بين الفن وسياقه الأخلاقي. كما تُسائل خطاب “الانفتاح العالمي” حين يُستخدم لتغطية الاستعمار أو الصناعات العسكرية، ما يجعل الصمت تجاه هذه البنى شكلاً من أشكال التواطؤ.
