أحدثت مارلين مونرو النجمة السينمائية التي غابت أو غُيّبت عن الدنيا، وهي في السادسة والثلاثين فقط، أثراً لا ينسى في مسيرة السينما العالمية. كانت من أكبر نجمات شباك التذاكر في الخمسينيات، وساهمت في إعادة تعريف صورة المرأة في السينما الأميركية، ونجحت في الانتقال من أدوار الكوميديا الخفيفة إلى أدوار أكثر تعقيداً كما في فيلميها “Bus Stop” و”The Misfits”، وما زالت حاضرة في الدراسات السينمائية والثقافية ظاهرةً فنية واجتماعية.

نجحت الآلة الإعلامية الأميركية، والغربية عامةً، في حصر صورة مونرو التي مرّت أخيراً الذكرى المئة لميلادها، رمزاً للإغراء. وحين توفيت في ظروف غامضة شاعت روايات عن سبب الوفاة، بينها انتحار محتمل نتيجة جرعة زائدة من العقاقير المنوّمة للتغلب على ما كانت تعانيه من متاعب نفسية أحاطت بها في حياتها القصيرة، فقد عاشت طفولة لم تعرف الاستقرار، تنقلت بين دور الرعاية والأسر الحاضنة، وعاشت إحساساً دائماً بالهشاشة والوحدة. وحين أصبحت نجمة عالمية، لم تتخلص من تلك الأشباح القديمة، بل حملتها معها إلى قمّة المجد، فخلف الصورة اللامعة التي صنعتها هوليوود، كانت هناك امرأة تعاني القلق والاكتئاب، وتبحث بلا توقف عن الحب.

لم تنجح رواية انتحارها في إغلاق الملف. كلّما مرّ الوقت ظهرت أسئلة جديدة، وكأنّ موتها عصي على الاستقرار في خانة الحقائق النهائية، ومن ذلك الحديث عن تورّط عائلة الرئيس الأميركي، يومها، جون كينيدي في إنهاء حياتها، بأمر من السيناتور روبرت كينيدي، شقيق الرئيس خوفاً من أن تكشف أسرار العلاقات التي أقامتها مع عائلة كينيدي، خصوصاً مع الرئيس وشقيقه، وأنّ الطبيب النفسي لمارلين، رالف غرينسون، متورّط في تنفيذ جريمة القتل عبر حقنة قاتلة بإيعازٍ من شقيق الرئيس، كما جرى حديث عن تورّط صهر العائلة، الممثل بيتر لوفورد، في الأمر.

الآلة الإعلامية التي انشغلت بهذا كله، وقدّمت مونرو شقراء فاتنة وساذجة، أغفلت، قاصدة على الأغلب، صفحةً أخرى من حياتها، أنها، في واحدةٍ من الصور، إحدى ضحايا المكارثية، بسبب تعاطفها مع بعض القضايا التقدمية في الخمسينيات. ويذكر من اهتمّوا بسيرتها أنّها كانت أكثر ثقافة وفضولاً فكرياً مما كان الجمهور يتصوّر، ذات حسّ اجتماعي وتعاطف مع المهمشين، متأثرة بتجاربها الشخصية القاسية في الطفولة والفقر. وربما لهذا السبب وجدت نفسها على تماس مع دوائر فكرية وفنية كانت تُصنف يسارية في ذلك الزمن، كما كانت قارئة نهمة، على غير الصورة النمطية التي رسمتها هوليوود لها. وضمّت مكتبتها كتباً في الأدب والفلسفة والسياسة وعلم النفس، وفي فترة تغوّل المكارثية خلال الحرب الباردة، كان يكفي أن يقرأ شخص كتباً معيّنة أو يصادق أشخاصاً ذوي ميول يسارية حتى يلفت انتباه السلطات.

عُرف عن مونرو أيضاً اهتمامها بقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الأميركيين السود، ومن ذلك دعمها المغنية والناشطة إيلا فيتزجيرالد التي رفضت بعض النوادي التعاقد معها بسبب التمييز العنصري، وساعد تدخلها على حصول فيتزجيرالد على فرص فنية أكبر.

تؤكّد ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) نفسها أنّ مونرو كانت محلّ مراقبة، ولعلّ أكثر ما لفت أنظار السلطات إليها زواجها من الكاتب المسرحي آرثر ميلر الذي كان مُراقباً من السلطات خلال حقبة المكارثية بسبب مواقفه السياسية، وكانت مونرو مأخوذة بفكره ومواقفه. وبسبب زواجهما جمعتها لقاءات وصداقات مع شخصيات ذات توجهات يسارية، ومن ذلك لقاؤها مع الناشط اليساري فريدريك فاندربيلت فيلد في أثناء زيارتها المكسيك.

مرّ قرن على ولادة مونرو وسحرها مستمر. امرأة نجحت في هزيمة النسيان، وتركت وراءها لغزاً لم يُهزم بعد. لم تكن نجمة سينمائية فحسب، بل قصة إنسانية مفتوحة على التأويل. امتلكت الشهرة والجمال والذكاء والرهافة، لكنّها ظلت تبحث عن طمأنينة لم تجدها. تحوّلت إلى صورة عالمية مطبوعة على الأكواب والقمصان والملصقات، بينما بقيت حقيقتها الشخصية عصيّة على القبض الكامل.

عبارة قالتها مونرو قبل أسابيع قليلة من رحيلها، جاءت في مطلع تقرير كتبه عنها بياتريس دييز، تكاد تُلخّص الأمر برمّته: “نادراً ما تنتشر الحقائق، فالأكاذيب هي التي تجد طريقها عادة إلى الناس”.