بعد ثلاثة أيّام يبدأ مهرجان كأس العالم في كرة القدم. أنتظر المناسبة، مرّةً كلّ أربع سنوات، كما ينتظر حلمٌ طفوليٌّ مستحيلٌ هديّته اليتيمة. لا أستحي أنْ أقول إنّي لا أزال أتعمشق بكوني ذلك الطفل الذي كنته قبل عمرٍ ليس بقصير. ليس لأنّي أهرب من عمري، أو لأنّي أكره التقدّم في السنّ، بل لأنّي أستهول ما آلت إليه حيواتنا الفرديّة والجماعيّة تحت سنابك الوحشيّات الشرقيّة المتمادية. 

لقد خسرنا أفراحنا الحقيقيّة؛ الأفراح الصغيرة، المتواضعة، الأصيلة، الأصليّة، وخسرنا معها القدرة على التصديق أنّ في مقدورنا أنْ نجترح أفراحًا حقيقيّةً جديدةً، من مثل التي لا يدري أحدٌ بها، من فرط ما هي خفيضة الجناح، كنسمةٍ عابرة في ممالك التخييل. 
خسارة هذه الأفراح، يا لها من خسارة، ولا أتردّد في اعتبارها مأساةً مماثلةً لأيّ مأساةٍ كبرى، وفجيعة، من حيث رمزيّتها الدلاليّة، لأنّ استئصالها ينتمي، على رغم بساطتها وتواضعها، إلى المقتلة الوجوديّة مطلقًا.

الخسارات أيضًا هي الأفراح التي لا تُعَوَّض، ولا يعزّيها مالٌ وإيديولوجيا وإسنادٌ وحربٌ وتحريرٌ (هو احتلالٌ) وحزبٌ وشهادةٌ وشهوةُ موتٍ وانتحار. فأرجو القرّاء أنْ ينعموا النظر في هذه الخسارات – المآسي، وأنْ لا يستسخفوها، ويقلّلوا شأنها.