لا يجب القفز عن تلميح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قيام سوريا بتقديم مساعدة يُشتمّ منها تدخلاً عسكرياً ضد “حزب الله” في لبنان.
كانت تقارير سابقة قبل أشهر استندت إلى مصادر موثوقة كشفت عن وجود ضغوط أميركية تقف وراء حشود عسكرية سورية تكدّست على الحدود. حينها، قالت سوريا “لا نعلم شيئاً عن الضغوط”. وحينها أيضاً كتب المبعوث الأميركي توم برّاك نفياً واضحاً دقيقاً يكذب تلك الأنباء.
لم يعد الأمر “كلام جرائد”. الرواية تصدر عن أعلى سلطة في الولايات المتحدة، وتحمل في ثناياها ما يمكن أن يتجاوز الغمز من قناة الأمر ليرقى إلى صلبه. تحتاج سوريا إلى دعم واشنطن وإزالة أيّ لبس ما زال يقيّد طموحاتها الاقتصادية. يقدم ترامب “فتواه” مرفقاً بقصائد الثناء للرئيس السوري أحمد الشرع، عازفاً على أوتار زيارة ثانية قيل إن الشرع يتحضّر لها صوب البيت الأبيض من جديد.
في تصريحات ترامب خفّة واستخفاف بسوريا كما بلبنان، وجهل بالتاريخ الموجع في علاقات البلدين إبان الحقبة الأسدية السابقة. ناهيك بأن التدخل السوري ليس مصلحة سورية في وقت تسعى فيها البلاد للتخلّص من أعباء بنيوية اقتصادية وأمنية ومجتمعية وسياسية هائلة. كما أن احتمالاً من هذا النوع، وعلى الرغم من موقف الشرع الداعم للرئيس جوزف عون في خطة الدولة لاحتكار السلاح، لا يخدم الدولة اللبنانية، ولا يحسّن موقفها الداخلي حيال “الحزب” الذي يريد ترامب الاستقواء بدمشق ضده.
تخوض بيروت تجربة سيادية غير مسبوقة لم تعرفها منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. تجتهد الدولة في رسم خطاها لسوق البلاد وإدارتها من خارج الوصايات الخبيثة. تخوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تشبه تلك التي تخوضها سوريا مع إسرائيل في ظل الرعاية الأميركية الضاغطة نفسها. وقد يَعرف أو لا يعرف ترامب ما تُحدثه تلميحاته “السورية” من ضرر مدمر للحالة الاستقلالية التي تعيشها دولة لبنان، ومن انتعاش للميليشيا التي ستنهل من ذلك التدخل قوة وقوتاً لحجتها.
