هذه المرّة يقف العلم إلى جانب الرواية ضد الكراهية والإقصاء والتحريض. في مقالة كتبتها كلوديا هاموند، منشورة في كتاب “روح عصرنا” (دار المدى، ترجمة لطفية الدليمي، 2023)، تسأل: هل تجعلنا قراءة الروايات أُناساً أفضل؟ وهي تجيب عن سؤالها هذا: نعم. إنها تجعلنا كذلك. ومرجعها في تأكيدها، يعتمد على دراسات مخبرية لعدد من المشاركين في الأعمال البحثية لعلماء نفس، أرادوا معرفة أثر قراءة الأدب، والرواية بشكل محدد، على النفس البشرية. 

تقول هاموند إن الأعمال البحثية التي أُجريت في مختبر العلوم العصبية الاجتماعية في جامعة برينستون أكّدت أن الناس الذين يقرؤون الروايات يحوزون إدراكاً اجتماعياً أفضل من سواهم. أي إنهم أفضل من غيرهم كمعدل وسطي، في معرفة مشاعر الآخرين، وخصوصاً في مجال مدّ يد العون والمساعدة، بل أكثر من ذلك، تقول هاموند إن النتائج المقترنة بفحوص الأشعة المقطعية للدماغ أظهرت أن أدمغة الناس، وهم منغمسون في قراءة الروايات، تبدي نشاطاً أعلى في مناطق الدماغ الخاصة بالفعالية التفاعلية.

رغبة في رواية الحكايات والاستماع إليها من البداية إلى النهاية

في الكتاب نفسه، حوار مع البروفسور أنغوس فلتشر، وهو عالم نفس وناقد كتب العديد من الكتب في دراسة أثر الأدب في الحياة البشرية، وإذا بالرجل يحاول أن يتوصل إلى أجوبة مستمدة من علم الأعصاب، على الأسئلة المتعلقة بالرغبة في الاستماع إلى الحكايات. وفي تقديره، أن قراءة الرواية، أو سماع الحكاية يترك تأثيراً يمكن قياسه مخبرياً، أو بحثياً في دراسات تتعلق بالدماغ البشري وعمله واستجاباته. ولماذا؟ قال: إن الطبيعة التطورية للبشر تظهر حاجتهم إلى المعنى، وأين يمكن أن يظهر ذلك المعنى: إنه في الرغبة القوية لديهم في رواية الحكايات، وفي الاستماع إليها من البداية إلى النهاية.

لماذا نترك بيوتنا، ونذهب، ونجلس صامتين، لنستمع إلى راوي حكايات يسرد على مسامعنا حكاية ما، ثم نطالب بمعرفة أين انتهت، هل كانت شهرزاد تعرف هذه الحقيقة بحدسها النسوي، كي ترغم شهريار على انتظار النهاية؟ لماذا نشتري رواية، ثم ننفرد بها، ونقرأ فيها حتى النهاية؟

في أكثر من مجال كان البحث عن أثر الكتب في حياة الأفراد يحتاج إلى اعتراف مباشر من الأفراد القراء أنفسهم، وهو أمر متعلق بالكتاب في المقام الأول، أو بمن يكتب سيرة شخصية عن نفسه من السياسيين أو من يكتب سيرة الآخرين، يذكر أن هذا الكتاب أو تلك الرواية تركت أثراً لا ينسى في ذاكرته، أو في حياته. وفي كل الأحوال فإن أثر الكتب في الحياة الشخصية للبشر لم ينجز كمعرفة عامة، في الثقافة العربية، وظلّ محدوداً بحدود الاعتراف الشخصي فقط.
 
ولهذا ظلّ السؤال: لماذا نقرأ الرواية؟ سؤالاً ثقافياً محضاً، متعلّقاً بالمعرفة والفائدة المعرفية والعلمية، بينما يظهر في هذه التجارب لصيقاً بالممارسات الاجتماعية، وتأثيره في حياتنا ومعاشنا وأشكال العلاقة بيننا وبين مجتمعاتنا. هل تقرأ الروايات؟ إنها فعالية تتعلّق بمن يرغب في تنشيط دماغه من أجل تعميق التفاعل مع محيطه الاجتماعي من البشر، إنها نوع من عقار مجرب وفعال، مضاد للكراهية والتعصب والتحريض ضد البشر.