
عمان – «القدس العربي»: بعد أن اعتذر الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، قبل نحو شهر، عن إجراء حوار مع «القدس العربي» حول الخلاف الإبداعي مع مخرجة فيلم «فلسطين 36» آن ماري جاسر، مفضّلا إتاحة المجال لحل ودي، قرر اليوم الحديث عن تفاصيل القضية التي شغلت الأوساط الثقافية والفنية العربية خلال الفترة الماضية.
في هذا الحوار، يعود نصر الله إلى بدايات اكتشاف ما يصفه بالتشابه بين الفيلم وروايته «زمن الخيول البيضاء»، وإلى مشاهدته الفيلم أربع مرات، قبل إصدار بيان صحافي قال، إنه أجّله أكثر من مرة مراعاة لظروف مختلفة.
وحول نفي كاتبة السيناريو والمخرجة آن ماري جاسر قراءة الرواية، يقدّم نصر الله تفسيره لما قد يكون حدث، قائلا إن «هناك من قدَّم، أو قدَّموا، المادة الدرامية، شخصيات وأحداثا، باعتبارها مادة بحثية، على الرغم من أنهم استخرجوها من الرواية». ويرى أن هذا الاحتمال، إن صح، «لا يخفف المسؤولية، بقدر ما يضاعفها». ويؤكد نصر الله أن فيلم «فلسطين 36» يتشابه مع «زمن الخيول البيضاء» في أحداث تفصيلية ومنطق درامي ونهايات ومصائر وشخصيات، بما يجعل المسألة، في رأيه، تتجاوز فكرة اعتبار الرواية مجرد مصدر من بين مصادر عامة. وفي هذا الحوار، يكشف نصر الله أيضا لـ«القدس العربي» رفضه مؤخرا قبول جائزة «نوابغ العرب»، بعد تلقيه رسالة رسمية من مجلس إدارة الجائزة، التي تبلغ قيمتها مليون درهم إماراتي. وفيما يلي نص الحوار:
*كيف بدأت مسألة إدراكك أن هناك تشابها أو تناصا أو سرقة لرواية «زمن الخيول البيضاء» وكيف كان تصرفك في البداية؟
ـ أول ما حدث أنني سمعت من أصدقاء وصديقات رأوا الفيلم قبلي، حين عرض في عمان، ثم من أصدقاء من خارج العالم العربي. ثم رأيت الفيلم أربع مرات لأتأكد، فهذه مسألة كبيرة جدا تحتاج أن تعد حتى الألف قبل أن تتكلم فيها. بعد ذلك فوجئت برسالة صوتية من المخرجة أرسلتْها إليّ، قبل أن أتكلم في الأمر، تخبرني فيها أن هناك ممن شاهدوا الفيلم أخبروها بوجود تشابه بين فيلمها ورواية «زمن الخيول البيضاء»، وتنفي في الرسالة أنها قرأت الرواية، كما قالت في الموضوع الذي نشر في «القدس العربي»، بل «إنها لم تقرأ أيّ رواية من رواياتي».

*كانت هناك محاولات للتواصل بينك كروائي وبين المخرجة أو شركة الإنتاج القائمة على الفيلم حدثنا عن هذه التحركات؟
ـ لم يحدث هذا مباشرة، ولكنني طلبت من أصدقاء في فلسطين، منتصف شهر شباط/ فبراير الماضي، أن يجدوا حلّا للمسألة بالحديث مع وزارة الثقافة الفلسطينية التي رشحت الفيلم للأوسكار، وقاموا بذلك فعلا، فطلبت الوزارة بدورها من المنتج وهو (زوج السيدة آن ماري جاسر كاتبة السيناريو ومخرجة الفيلم) أن يتحدث معي لحل المشكلة، بدل أن تعمل لإيجاد حلّ بشكل مؤسسي، فتحدث فعلا، وطويلا، ولم يكن في حديثه إلّا نفي أن يكون قد قرأ الرواية أيضا. ثم تحدثتُ مع مسؤولة في الهيئة الملكية للأفلام، في منتصف شهر آذار/ مارس، أي بعد شهر من الحديث مع وزارة الثقافة الفلسطينية، وبقيت النتيجة نفسها، وفي منتصف أيار/ مايو تحدثت أيضا مع مؤسسة فلسطينية وطنية كبرى، ساهم بعض أعضائها في دعم الفيلم ماليا، واستجبت لطلب الوساطة، واعتذرتُ لك عن هذا الحوار في حينها، في محاولة لتهدئة الأمور والوصول إلى حلّ. وعرفوا هم بهذا، بل اختاروا الموعد الذي يناسبهم لعقد اللقاء، لكني فوجئت بأن حملتهم تضاعفت، لذا رأيت أن هذا الحوار الذي اعتذرت عن إجرائه قبل أسابيع، لا بدّ منه الآن.
*أن تذهب بالمسار القانوني يعني أن هناك انسدادا في الحلول الأخرى كافة.. حدثنا عن هذا المسار وأين تم تفعيله؟
ـ هذا المسار تم تفعيله، في عمّان، بعد أن أصدرت البيان يوم 17 من شهر مايو الماضي، وبعد أن أيقنت أنهم غير معنيين بتطويق الأمر، وهو بيان أخّرت صدوره أكثر من مرة، ولأسباب لها علاقة بالفيلم واحتراما لمشاعر الناس، فحين كان الفيلم مرشحا للأوسكار، لم أقبل لنفسي أن أثير هذه المسألة حوله، احتراما لفرح الفلسطينيين والعرب ومحبي فلسطين بهذا الترشيح، كي لا يؤثر ذلك على فرص فوزه بالجائزة، وكانت النيّة أن أنشر البيان بعد ظهور نتائج الأوسكار، وبعد عودتي من رحلة تسلم جائزة الفونسو جاتو العالمية للشعر، في إيطاليا، يوم 29 مارس، لكن الحرب اندلعت يوم 28، ولم يكن الوقت مناسبا، أو لائقا لإصدار أي بيان في أجواء حرب كهذه، فأجّلتُ صدور البيان مرة أخرى، لكنني خلال هذه الفترة، كما أشرت لم أكن قد توقفت عن البحث عن حلّ، وحين ظهرت بوادر حل بوجود شخصيات كبيرة محترمة، طلبت من المحامي أن يجمّد القضيّة. وكلي أمل، الآن، أن نتفق، حتى لا يتّسع الأمر أكثر من هذا، باتجاه عالمي، لأن هناك دور نشر أجنبية أصدرت ترجمات الرواية، وهي وفق العقود الموقَّعة معها معنية بما يحدث مباشرة.
*هل المسار القانوني يعني نهاية أي حديث عن حلول توافقية معينة تقترحها لجان أو محكمون أو جهة مثل وزارة الثقافة الفلسطينية؟
ـ الاتجاه القانوني كان سعيا في الأصل إلى إيجاد حل، حين فشلت كل محاولاتي لإيجاد حل، وحين قوبل الأمر باستخفاف، لذا، إذا تم التوصل لاتفاق، بين الطرفين بوجود المُحكمين، سينتهي تلقائيا في جلسة أو جلستين. سيقول كل منا ما عنده، وسنعرض الفيلم، إذا احتجنا لذلك، ونقارن بينه وبين أحداث وشخصيات الرواية والتطور الدرامي، وننتهي.
*هل هناك أطراف تحركت في اتجاه تفعيل التواصل بين طرفي الأزمة، حدثنا عنها في حدود ما هو ممكن وإلى ماذا انتهت هذه التحركات؟
ـ كما أشرت لقد تلقيت رسائل من شخصيات معروفة حول هذا، ورحبت بأي وسيلة لإيجاد حل، وتواصَلَت هذه الشخصيات مع المنتج والمخرجة ومعي، فتواصلا معي لنلتقي شخصيا، فطلبت منهما أن يجلس معنا طرف ثالث، احتراما للجهات التي تسعى لإنهاء الموضوع، وقبلوا بهذا، لأنني لا أريد أن يجلس طرفا القضية ليقال الكلام نفسه (لم نقرأ الرواية)، فهذا أمر يفاقم المشكلة، ويزيدها تعقيدا، لذا، توقفت عن التعامل مع الصحافة، ولكنني فوجئت بأنهم واصلوا التحدث معها.
*المخرجة تصرّ على أنها لم تقرأ الرواية وهذا بطبيعة الحال لا يعني عدم وجود تشابه.. هل هناك تصورات معينة لمجريات ما حدث؟
ـ البعض يقول إن المخرجة لم تتعمد السرقة أو الاستلهام بدليل أنها أشارت في تتر الفيلم إلى عشرات المصادر والجهات والباحثين والكتب.. لا أستطيع أن أقول إنها قرأت الرواية بالعربية، أو لم تقرأها، رغم أن الرواية صادرة في ثلاثين طبعة عربية والأكثر مبيعا منذ صدورها، ولكن الرواية صدرت بالإنكليزية منذ 14 عاما أكثر من مرة، وبلغات أخرى، أما الإشارة إلى المصادر فهي واجب قانوني، والاستناد إلى الباحثين أمر مفهوم للإحاطة بأي موضوع لا يكون لنا إلمام كاف بتفاصيله، لأنني ببساطة أعرف كم بذلتُ من جهد في التحضير وكتابة «زمن الخيول البيضاء» نفسها، خلال عمل استمرّ اثنين وعشرين عاما، وذكرتُ أسماء 30 مصدرا لروايتي، ووجهتُ التحية لكل من أعانني.
لكن تفسيري لما حدث، وبنيَّة صافية حقّا، أن هناك من قدَّم، أو قدَّموا، المادة الدرامية، شخصيات وأحداثا، باعتبارها مادة بحثية، على الرغم من أنهم استخرجوها من الرواية، بما يناسب الفترة والموضوع الذي تناولته الرواية أصلا، لكن هذا، في ظني، لا يخفف المسؤولية، بقدر ما يضاعفها، وعلى أكثر من مستوى؛ فالقراءة في الأصل والمعرفة في الموضوع الذي نتناوله، وفي كل الحقول، هما من الأسس التي بغيرها لا نستطيع أن نقدم رؤيتنا في أي قضية.

*البعض يقول هل كانت تكفي الإشارة إلى أن الرواية كانت مصدرا من مصادر الفيلم؟
ـ حين يتعلق الأمر برواية، فنحن نتحدث عن عمل إبداعي، أي نص أنتجه الكاتب بخياله ورؤياه وعواطفه وخبرات حياته، وتجربته الإنسانية الخاصة والعامة، وبأسلوبه المغاير للأساليب الأخرى، وبموقفه مما يراه فيما يكتبه… وما إلى ذلك. وفي حالة فيلم «فلسطين 36» والقسم الثاني والثالث في «زمن الخيول البيضاء» فنحن لا نتحدث عن أحداث تاريخية، ولنضع خطّا تحت كلمَتَي (غير تاريخية)، بل عن أحداث تفصيلية (تتشابه) ومنطق درامي (يتشابه) ونهايات ومصائر (تتشابه)، وشخصيات (تتشابه) على مدى مساحة الفيلم، لذا يتجاوز الأمر فكرة (المصدر)، لأن الرواية لا يمكن أن تكون مصدرا، مثل كتاب الجغرافيا، أو كتاب عن المملكة النباتية في فلسطين، أو بحث عن أنماط الزراعة في مرحلة زمنية محددة، فلهذه الأسباب يكتبون بُنى الفيلم على رواية فلان، أو اقتبس عن قصته، أو عن رواية فلان، فنحن لا نتحدث عن السردية الفلسطينية العامة، بل نتحدث عن عمل إبداعي، و «السردية الفلسطينية» كافية لكتابة ألف عمل روائي، وألف فيلم، متنوع في شخوصه وأحداثه ورؤاه، بعيدا عن هذا التشابه، وقد حدث معي في مشروع «الملهاة الفلسطينية»، الذي تناولتُ فيه ثورة 1936 أكثر من مرة، وفي كل رواية كان التناول مختلفا، على المستوى الفني والدرامي وبناء الشخصيات وتنوّعها.
الخلاف هنا ليس على معلومات وحوادث عامة، وردت في الرواية والفيلم، عن الهجرة الصهيونية مثلا، وتهريب السلاح، وافتتاح الإذاعة، فهذه أحداث ملك الجميع وسردية ملك الجميع، ككل الأحداث العامة، ولكن ما كُتب من إبداع، لم يكن موضع نقاش مثل هذا، مسألة أخرى، فهو ملك لأصحابه مثل ذاك الذي كتبه غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا، وتوفيق فياض ورشاد أبو شاور، ومحمود شقير وربعي المدهون، وفاروق وادي، ومحمود درويش، وسحر خليفة، ومحمد على طه، وعاطف أبو سيف، وأسامة العيسة، وإلياس خوري ورضوى عاشور، ومريد البرغوثي، وجمال ناجي، ويحيى يخلف وغيرهم، ما كتبوه ليس ملكا لا لأي كاتب ولا لأي كاتب سيناريو.
*أنت تعلم، عالمنا العربي في مسألة الحقوق الإبداعية هناك جهل عام في ذلك، وهناك تقصير قانوني مقارنة مع الغرب.. ما هي رؤيتك للتحرك القانوني؟
ـ نعم هناك فقر في المعرفة، وهناك رعونة (قبَليَّة)، فقد فُجِعْتُ ببعض من كتبوا أن لأصحاب الفيلم أن يأخذوا ما يريدون ما دام الفيلم عن فلسطين! وكأن زمن الخيول البيضاء، و «الملهاة الفلسطينية» عن دولة في المحيط الهادئ، ومشروع «الملهاة الفلسطينية» الذي صدر منه 16 رواية، والذي يجري العمل عليه منذ 42 عاما ويغطي أكثر من 250 سنة من تاريخ فلسطين عن هذه الدولة التي في المحيط العادي، أفزعني من يَكتبون «عليك أن تفرح لأنهم سرقوك!» وهذه العبارة لمن كتبوا، وليس لي. لا لن أفرح بهذا، وسأرفضه اليوم وغدا، ودائما؛ سواء حدث معي أو مع غيري؛ وأحدهم ناقد، علّق على كل موضوع نُشر عن هذه القضية بعدائية مرعبة، لمدة ثلاثة أشهر متواصلة، ثم كتب على صفحته: أخيرا أتيح لي أن أشاهد الفيلم! أي خراب هذا؟! نعم، فوجئت بهذا المنطق الذي لا يمكن أن يكون وطنيا أو قانونيا، فتبرير استباحة أمر (نبيل) من أجل شيء (نبيل آخر) من أجل هدف (نبيل) أمر ليس فقط غير مقبولا، بل من العار السكوت عنه، ولا يمكن أن نقبل بأي حال على أنفسنا، أو على سوانا أن يقوموا بذلك، جزئيا أو كليا، من دون أن تكون هناك مساءلة، لأننا بذلك نسحق الكثير من القوانين التي اتفق عليها البشر، أي وجود قانون يحمي حقوق الملكية الفردية، كما يوجد قانون لحماية بيتك وأرضك، حيثما كنت في هذا العالم، وكما قال درويش «وطني قصيدتي الجديدة»، فنصك وطنك حقّا، ومن العيب ألا تدافع عنه.
*كيف ترى من جانبك الحل لهذا الأشكال الإبداعي.. بحيث لا يضيع الإبداع الفلسطيني في صراعات قانونية قد تطول أو تقصر. ما هو الذي يرضيك في هذه المسألة ويجعل من حقوقك المعنوية تحديدا والفكرية مسألة مصانة؟
ـ هذا صراع لا أتمناه، ولم أخض مثله أو ما يشبهه، على الرغم من أنني أنشر منذ خمسين عاما، خضت نقاشات أجل، وكذلك الصراعات التي كان يجب أن تُخاض حين تعلق الأمر بحريتي في الكتابة وخارجها، وحين تعلق الأمر بالقضايا العامة؛ خضته مع مؤسسات ومع حكومات، وسأخوضه دائما إذا اقتضى الأمر، أما الحل ووسائله، فهو ما سعيت للسير في طريقه بهدوء وتم تجاهله أو الاستهانة به.
*يدور الحديث عن إنك اعتذرت عن قبول جائزة «نوابغ العرب» في دورتها الأخيرة وقيمتها مليون درهم إماراتي، أي أكثر من ثلاثمائة ألف دولار، فاسمح لي أن أسألك عن صحة ذلك؟
ـ ما دمت سألت، سأقول إن هذا صحيح، فقد تلقيت رسالة رسمية من مجلس إدارة الجائزة، حددوا فيه موعدا مصورا للقاء عبر الزّوم، مع مجلس أمناء الجائزة ورئيسها، كما علمت أن هذا ما حدث ويحدث مع الفائزين، واعتذرت عن اللقاء وعن قبول الجائزة، كما اعتذرت عن جوائز أخرى.
*أخيرا، هل هناك أي شيء تريد إضافته في هذا السياق؟
يقول الحاج خالد في «زمن الخيول البيضاء»: «أنا لا أقاتل كي أنتصر، ولكن كي لا يضيع حقي».
