لم ينتظر الجمهور انتهاء حلقات مسلسل “ورد على فل وياسمين” لإدراجه ضمن الأعمال المفضلة لديهم، إذ حظيَ المسلسل بنجاح جماهيري باهر منذ عرض أولى حلقاته، رغم أن بطله، أحمد عبد الوهاب، يقدم أولى بطولاته المطلقة، وصبا مبارك، ليست من ممثلات الصف الأول اللاتي تُنتَظر أعمالهن.

بالطبع نقاد الفن لديهم أسبابهم وراء نجاح المسلسل، مثل جودة القصة، وذكاء الحبكة، وبراعة المخرج في إدارة ممثليه؛ لكن كثيراً من الجمهور لا تشغله كل تلك الأسباب، بقدر ما يشغله سؤال واحد: هل هذا العمل يشبهنا أم لا؟ فهل وجد الجمهور المصري ضالته في “ورد على فل وياسمين”؟

البطلان والجمهور أبناء طبقة واحدة

داخل إطار اجتماعي تدور أحداث مسلسل “ورد على فل وياسمين”. فالبطل يعمل دكتور تحاليل، والبطلة “كوافيرة” في حي شعبي، وتجمعهما صدفةُ تبادلِ هاتفيهما بالخطأ، فيتقاطع طريقاهما منذ لحظة بحثيهما لحصول كلٍ منهما على هاتفه الذي في حوذة الآخر.

عالمان مختلفان يتشابكان لنرى تفاوتاً اجتماعياً وثقافياً معبرَين عن كلا البطلين، وهي ثيمة فنية ليست جديدة، إذ رأيناها في كثيرٍ من أعمالنا الفنية بالسينما والدراما التليفزيونية، لكن المختلف في “ورد على فل وياسمين” تعدد طبقاته السردية، فخلف كل خط درامي أبعاد أكثر عمقاً وتماساً مع المشاهد الذي ضجر من كثرة الأعمال الفنية التي تدور في عوالم لا تشبهه، يرى فيها رجال أعمال يتصارعون على مال لا يملكه، وقصص حب لفتيات وشباب داخل “كمباوندات” لا يجرؤ على الاقتراب من أبوابها، وعربات فارهة تشتعل بعد تصادمها لا يراها في شارعه الذي يعود إليه مستقلاً ميكروباصاً متهالك.

هل قوة المسلسل تكمن في أنه جعل الطبقة الوسطى، بأحلامها وهواجسها وتحدياتها، بطلاً رئيسياً للأحداث؟

ذلك الميكروباص المتهالك هو ذاته الذي تستقله إلهام/صبا مبارك يومياً في رحلة عودتها من عملها إلى منطقة الجبل الأصفر بمحافظة القليوبية. واختيار تلك المنطقة بالتحديد لم نرَه من قبل في الدراما التليفزيونية المصرية، التي حين يريد صناعها رصد بيئة المواطن الشعبي البسيط، من وجهة نظرهم، يلجأون إلى حواري وأزقة القاهرة الشهيرة في بولاق وشبرا وغيرهما.

في المقابل، لم يأتِ طارق/ أحمد عبد الوهاب من بيئة منعزلة اجتماعياً داخل أحد “الكمباوندات” الشهيرة، إذ اختار له مؤلفا المسلسل وائل حمدي وعمرو سمير عاطف العيشَ في منطقة مدينة نصر، التي يقطنها الكثير من أبناء الطبقة الوسطى.

وجود طارق في هذه الطبقة الاجتماعية لا يبعده كثيراً عن عالم إلهام وعموم المشاهدين، كون البطل لا ينتمي لطبقةٍ فاحشة الثراء، وهي الطبقة التي يعرفنا على أفرادها المفكر المصري الدكتور جلال أمين في مقالٍ له بأنهم: “لا يسيرون مثلنا في الشوارع، ولا يُرَونَ في المطاعم أو النوادي أو الشواطئ، ولا يركبون مثلنا القطارات… نعم، نحن نقرأ أسماءهم ونرى صورَ كثيرين منهم في الصحف، وقد نقرأ أخباراً عن عقد قران بعضهم، ولكن لا أكثر من ذلك، ذلك أن لهم مساكن في مناطق لها نواديها وشواطئها الخاصة، وطائرات وسيارات ذات نوافذ مظلمة لا يمكن رؤيتهم من خلالها، ومساكنهم لها حراسات مشددة لا تسمح بالاقتراب منها، إذ إن الاقتراب قد يكشف عن مستوى المعيشة ونمط للحياة لا يعرفه سائر المصريين”.

إذاً طارق وإلهام وقطاع عريض من الجمهور ليسوا من أبناء الطبقة الفقيرة حد الكفاف ولا تجد رغيف الخبز، ولا الطبقة الثرية التي نسمع أخبارها في الجرائد، على حد تعبير جلال أمين. جميعنا أبناءٌ للطبقة الوسطى “التي تمثل 79% من إجمالي عدد السكان”، وفقاً للباحثة عبير عبد الرازق، في أطروحتها “الطبقة الوسطى المصرية بين الازدهار والانحسار: تحليل سوسيوتاريخي” الصادرة عام 2016.

ولأن الطبقة الوسطى وفق علماء الاجتماع ليست شريحة واحدة، فبطلا “ورد على فل وياسمين” ينتميان لطبقة واحدة لكن تقرقهما الشرائح، وهو ما يدلنا عليه الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، ومدير مكتبة الإسكندرية، الذي قسم الطبقة الوسطى لثلاث شرائح، دُنيا ومتوسطة وعُليا.

الشريحة الدُنيا من الطبقة المتوسطة وفق زايد، أبناؤها “يعيشون في مناطق بسيطة، وشغلهم الشاغل تعليم أبنائهم لتعويض الأسرة مادياً في المستقبل بعد الانخراط في وظيفة حكومية أو مهنة تدر دخلا ثابتاً”. وهو ما تفعله إلهام التي تحلم بنقل ابنها إلى مدرسة تجريبية (نوع من مدارس اللغات الحكومية تُصنف كدرجة أعلى قليلاً من مثيلتها العربية).

ذات الشريحة قد ينتقل بعض أبنائها بعد تعليمهم وكدهم في العمل إلى الشريحة المتوسطة، وهو ما أخبرتنا به إلهام، ضمنياً، في أحد حواراتها مع طارق، بأن خالها يعمل مدير بنك، وشقيقتها هند أكملت تعليمها وسافرت إلى الخليج، وتعمل في مهنة جيدة.

ما حدث لخال إلهام وشقيقتها، ربما هو ذاته ما جرى لأسرة طارق التي تعيش في مدينة نصر، ويتنازع أبوه مع أعمامه على عقار قيمته لا تربو على بضعة ملايين، لا تسمن ولا تغني من جوع في زمن انهارت فيه قيمة الجنيه المصري.

كل ذلك، جعل البطل يمثل الكثيرين من شباب المشاهدين لـ”ورد على فل وياسمين”، والبطلة في نظر الجمهور نسخة مشابهة لملايين الفتيات، لذلك لم يرَ المشاهدون التكافؤ في قصة الحب بين طارق وإلهام يقوّضه فارق اجتماعي، إنما يمنعه مرضها المستعصي، وسنها الأكبر منه، وتجربتها السابقة في الزواج والإنجاب، وفقاً لتقديرات البعض.

مجرد “طارق” وليس زعيماً

في كتابه “محنة الدنيا والدين في مصر”، يصف جلال أمين الطبقة الوسطى بأنها الطبقة “التي تنتج الزعماء والرؤساء”؛ لكن هؤلاء القادة كان يُمكن أن يقدما يدَ العونِ لمن هم أدنى في عقودٍ سابقة، أما الآن فالأمر بدا مستحيلاً، وإن جرى في أفلام سابقة، فقد قوبِل بسخرية لاذعة من قِبَل الجمهور، مثلما حدث مع فيلم “أفواه وأرانب” الصادر قبل مسلسل “ورد على فل وياسمين” بخمسين عاماً.

في “أفواه وأرانب”، بدا محمود بك (محمود ياسين) كزعيمٍ حرر نعمت (فاتن حمامة) وأسرتها من براثن الفقر بالزواج منها، وأخذهم جميعاً للعيش في نعيمه. أما طارق بطل “ورد على فل وياسمين” فلم نرَ منه سوى طرق باب تلك الطبقة الدنيا، ليس بسبب انعزال أهله عنها، لكن بسبب تركيبة شخصيته الانطوائية التي أراد أبوه جعلها على هذه الصورة طمعاً في عيشٍ أفضل، لا يكون إلا بالترقي أكثر، من خلال تركِ مصر بأسرها والسفر في منحة بالخارج، وعلى إثره قد يترك الطبقة الوسطى بكل شرائحها.

كان يمكن قبل 20 عاماً

قبل عشرين عاماً من عرض المسلسل، تناقش المؤلفان المصريان وائل حمدي وعمرو سمير عاطف حول فكرة مسلسل “ورد على فل وياسمين”، بما يعني أن الفكرة اختمرت في رأسيهما عام 2006 أو قبله بقليل.

يطرح المسلسل سؤالاً ضمنياً: كيف كانت ستبدو حياة أبطاله لو لم تتعرض الطبقة الوسطى لكل هذا التراجع؟


إن افترضنا أن عام 2006 كان وقت نقاش المؤلفين حول فكرة مسلسلهما، فقد كان هذا العام أحد أحزن الأعوام التي مرت على المصريين، وتحديداً الطبقة الوسطى التي خسرت كثيراً من أبنائها في حادث “عبارة السلام 98″، وتصادم قطاري قليوب (مدينة بالمحافظة التي تنتمي إليها إلهام بطلة المسلسل).

لكن لم ينسَ الخبراء أن يذكروننا بأن في هذا العام، مرَّ الاقتصاد المصري بحالة ركود حادة تمثّلت في “الارتفاع الشديد في الأيدي العاطلة، ووصول الدعم لمُستغليه، لا إلى مُستحقيه”. لكنّ سوء الأحوال وقتها لم يحرم المصريين من وجود “مساحة جسارة على توجيه النقد للسلطة”، وهو ما اعتبروه مؤشراً على “انتقال البلاد إلى مزيد من الديمقراطية”.

بعد خمسة أعوام فقط، اندلعت ثورة يناير 2011، التي ظنها المصريون طوق نجاة من أعباء الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى التي قال عنها مرشح الرئاسة عام 2014، المشير عبد الفتاح السيسي، بأنها “تعرّضت لمحنة كبيرة خلال الفترة الماضية نتيجة قلة الدخل المتاح لها، وعدم قدرتها على تلبية احتياجاتها، وهذا أمر ساهم بشكل كبير في نمو الفساد داخل المجتمع المصري”.

وبعد عامين فقط من تولي السيسي مقاليد الأمور، كانت الطبقة الوسطى قد تعرضت للتآكل أكثر بعد إعلان البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه أو ما يُعرف بالتعويم الذي طُبِّقَ في شهر نوفمبر من عام 2016.

المفارقة، أنّه في أعقاب تحريك سعر الصرف أربع مرات لاحقاً، انتشرت دعابات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن هبوط الكثيرين لطبقة اجتماعية أدنى، فمن كان يستقل سيارته الخاصة، بات يستخدم المواصلات العامة، ومن كان يدفع أجرة كرسيين في “الكابينة” بجانب سائق الميكروباص، لم يعد لديه حيلة إلا الركوب في الخلف، فهل تكون إلهام بطلة “ورد على فل وياسمين” واحدة من هؤلاء؟

بحسب تعريف إلهام بأسرتها التي تضم خالاً يعمل مدير بنك وشقيقة تعمل في الخليج، وتقدم إلى خطبتها شاب ناجح لديه شركة خاصة، فنحن أمام سيدة ـ إن تغاضينا عن نظرة المجتمع للمطلقة ـ لولا التآكل الذي طال الطبقة الوسطى في العقد الأخير لكانت أكثر قرباً اجتماعياً من البطل، وربما انتهت قصتهما نهاية تسعد جمهوراً متماهياً بالأساس مع كل ما يراه، لأنه أخيراً بات يشاهد على الشاشة أُناساً يشبهونه.

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.