منظّمي مهرجان SXSW Sydney قبل تعليقه (صفحة المهرجان على فيسبوك)
يكشف إعلان رابطة المهرجانات المستقلة في المملكة المتحدة (AIF) قبل أيام عن إلغاء أو تأجيل عشرين مهرجاناً هذا العام، أن بريطانيا باتت بدورها جزءاً من الأزمة التي تضرب المهرجانات الثقافية عالمياً، والتي تتكرر أسبابها من بلد إلى آخر. ويُعد مهرجان “ووماد غلاسكو” الفعالية رقم عشرين التي تقع ضحية هذا العام، إذ أرجع المنظمون القرار إلى ضعف مبيعات التذاكر. الأمر الذي يعيد إلى الواجهة إلغاء مهرجان SXSW Sydney الثقافي المتنوع في أستراليا، بعد ثلاث دورات فقط، وكذلك تعليق دورة 2026 من مهرجان أنغوليم الدولي للقصص المصورة في فرنسا.
ومع تتابع الأخبار عن إلغاء فعاليات أُخرى، يظهر أن هذه الأحداث ليست سوى مؤشر على أزمة أعمق تشهدها الساحة الثقافية الدولية في السنوات الأخيرة، تتعلق بنموذج تمويل المهرجانات، ولا سيّما تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على القطاع الخاص، بعدما كانت تُعدّ حتى وقت قريب ركائز أساسية في الاقتصاد الثقافي العالمي.
في الحالة البريطانية، تظهر في خلفيات الإلغاء أزمة مالية تتمثل في ضرائب مرتفعة مفروضة على إدارات المهرجانات المستقلة، يسعى أصحابها إلى أن تستجيب الحكومة لدعواتهم من أجل إلغاء ضريبة القيمة المضافة على مبيعات التذاكر والخدمات، وأن تقود مشروعاً تجريبياً للإعفاء الضريبي لمهرجانات الموسيقى الشعبية الناشئة (Grassroots) لدعمها في الحفاظ على عروضها وتنميتها.
تتطلّب الاستدامة دعماً حكومياً للحماية من الأزمات الاقتصادية
وفي الحالة الأسترالية، يُظهر بيان إدارة SXSW Sydney صورة تبدو للوهلة الأولى متناقضة؛ إذ ثمة أرقام حضور مرتفعة، وأثر اقتصادي مُعلن بمئات ملايين الدولارات، وتوسع في جمهور المهرجان. ومع ذلك، انتهى المشروع سريعاً. هذا التناقض يكشف إشكالاً في التمويل الخاص، إذ لا يعني النجاح الجماهيري الاستدامة المالية بالضرورة، لأنّ المهرجانات الكبرى في الوقت الراهن تتحمل تكاليف متصاعدة تشمل استئجار الفضاءات وأمنها وتطوير بنيتها التقنية وتسويقها، واستقدام الضيوف الدوليين، وفي ظل تضخم عالمي وتراجع إنفاق الشركات على الرعاية الثقافية، يصبح الميزان مختلاً بسرعة، حتى عندما تكون المؤشرات الظاهرية إيجابية.
نموذج مهرجان SXSW، اعتمد في جوهره، على مزيج من الشراكات التجارية والتعاون مع السلطات المحلية، وبيع التذاكر، لكن حين يتراجع أحد هذه الأعمدة، وخصوصاً الرعايات الخاصة التي تتأثر مباشرة بدورات السوق، يهتز المشروع. لهذا باتت الشركات التي كانت ترى في المهرجانات واجهة تسويقية مربحة أكثر حذراً، وتفضل استثمارات رقمية أقل كلفة وأكثر قابلية للقياس. وفي النتيجة، تصبح الفعاليات الثقافية أول ما يُستغنى عنه عند مراجعة الميزانيات.
أما في فرنسا، ورغم أن أزمة مهرجان أنغوليم تبدو مختلفة في ظاهرها، إلّا إنها تلتقي في الجوهر مع أزمة المهرجانات الأخرى نفسها. صحيح أن الخلافات الإدارية، والمقاطعات الواسعة من مؤلفين وناشرين، وانتقادات الحوكمة لعبت دوراً حاسماً في إلغاء دورة 2026، إلّا أن العامل المالي كان الخلفية الصامتة للأزمة. فانسحاب الفاعلين الأساسيين من المشهد يعني تلقائياً تراجع الرعاة، وانخفاض المبيعات، واهتزاز ثقة الجهات الممولة، العامة والخاصة على السواء. فالتمويل الخاص يتآكل تدريجياً مع تفاقم مشكلات المهرجان البنيوية ولا ينهار فجأة.
إنقاذ المهرجانات يحتاج شراكة متوازنة بين القطاعَين العام والخاص
هذه الحالات تكشف حدود نموذج بات شائعاً منذ التسعينيّات يقوم على تحويل المهرجانات الثقافية إلى مشاريع شبه تجارية، تُدار بمنطق العلامة التجارية والعائد الاستثماري. وهذا التوجه قد ينجح في فترات الاستقرار الاقتصادي، لكنه يفشل عند أول أزمة كبرى خاصة وأن العالم يعيش حروباً في الوقت الحالي، تضغط على جيوب الأفراد والحكومات على حد سواء. فالثقافة ذات تكوين اقتصادي هش، بخلاف القطاعات التجارية الخالصة، وتحتاج إلى زمن طويل لبناء جمهورها وقيمتها، ولا يمكن قياس جدواها فقط بلغة الأرقام قصيرة المدى.
تتّسع قائمة المهرجانات التي توقفت أو يهدّدها انسحاب التمويل يوماً بعد يوم، وفي الأخبار أن مهرجانات ريجينا للفولكلور وأوتاوا للريغيه في كندا، وكذلك فيلمور للجاز، وسييرا نيفادا لموسيقى العالم، وديزرت دايز للموسيقى البديلة في الولايات المتحدة، إلى جانب مهرجان “نحن واحد” البريطاني المكرّس للموسيقى، ومهرجان فيكا النرويجي للموسيقى الشعبية، ستتوقف هذا العام للسبب ذاته.
إلى جانب العامل المالي، ثمة أسباب أخرى لا تقل أهمية، من بينها تشبع السوق بالمهرجانات، وتنافس المدن على استنساخ صيغ ناجحة من دون مراعاة الخصوصيات المحلية، ما يؤدي إلى فعاليات بلا هوية واضحة، كما أن تغيّر سلوك الجمهور، الذي بات أكثر انتقائية وأقل استعداداً لدفع أسعار مرتفعة، يضع ضغطاً إضافياً على المداخيل. ويُضاف إلى ذلك الإرهاق التنظيمي، واحتجاجات العاملين في القطاع الثقافي ضد ظروف العمل غير المستقرة، وهي عوامل تُضعف البنية الداخلية لأي مهرجان.
