جيسي رييز وإليانا من حفل افتتاح البطولة في كندا، 12 يونيو 2026 (أليكس بانتلينغ / Getty)
أطلق الاتحاد الدولي لكرة القدم ألبوم مونديال 2026 رافعاً على منصّات التحميل المتعددة قائمة تتألّف من ثمانية عشر تراكاً موسيقياً، تجمع نخبة من مشاهير البوب والهيب هوب من حول العالم، مع رجحان كفّة التمثيل لصالح الراب والتراب.
وإذا كان “فيفا” قد وصف المشروع بأنه الأكبر من نوعه في تاريخ البطولة لجهة الضخامة الإنتاجية والتعددية التمثيلية، فإن أهمية الألبوم لا تكمن في ضخامته فحسب، بل في كونه مرآةً تعكس التيارات الموسيقية السائدة، فضلاً عن بثّه خطاب تعددية ثقافية، يجمع الهويات الوطنية واللغات والموروثات المختلفة في عبوة موسيقية من البوب المعولم.
فرغم أن عنوان الأغنية الأولى على القائمة “أهداف”، إلا أنها في مضمونها أقرب إلى أن تكون احتفاءً بالتلاقي الثقافي من أن تكون احتفالاً بكرة القدم، أو أن تتناول الرياضة موضوعاً لها، وهكذا تجتمع التايلاندية ليسا والبرازيلية آنيتا والنيجيري ريما حول المونديال ليؤكدوا، من خلال موسيقى تراب جامعة للأفروبيت واللاتينو والكي-بوب، التقاء قارّاتهم الثلاث.
يستمر لون التراب، موضة العصر الطاغية، من خلال الأغنية الثانية على القائمة “زمن المباراة”، وإن بصورة خلّاقة وأكثر غنائية بفضل حضور نجم الهيب هوب فيوتشر. تتسلم الجنوب أفريقية تايلا الخط اللحني عند الدقيقة 1:30 لتعزّز حمولته الغنائية وتجعله أقرب إلى الأفروبيت الصافي، ليلتقي الثنائي عند تناول موضوعة صفارة البداية وتعميم رمزيتها خارج إطار الملعب من دون الانفصال عنه.
آثرت القائمة أن تحضر فلسطين في الأغنية الثالثة “أضئ” عبر تعاون جمع إليانا بالكندية جيسي رييز. وإلى جانب أصداء هتافات المشجعين في الملاعب، تتسلل إلى النسيج الموسيقي للأغنية الراقصة عناصر شرقية، لا من خلال الثيمات النغمية والإيقاعية فحسب، بل أيضاً عبر مقاطع غنائية تؤدّى باللغة العربية.
يتحول الصدى من ثيمة في الأغنية السابقة إلى عنوان في الأغنية الرابعة على القائمة إيكو. وباجتماع الفنان البورتوريكي دادي يانكي والنجمة الجامايكية شينسيا، يغدو التراك بمثابة تكريم لأميركا اللاتينية، البقعة الجغرافية التي وهبت العالم أكثر لاعبي كرة القدم موهبةً وتأثيراً. وتحت شعار “فلينهض الأبطال معاً” تتبع الموسيقى إيقاعاً راقصاً حماسياً يزيد من حرارته عنصرا الريغيتون والدانسهول.
تمثّل الأغنية الخامسة بور إيّا البلد المضيف، المكسيك، عبر أحد أكثر أصواتها شعبيةً. وفي حين تغيب عنها ألوان البوب المعولم والتراب والهيب هوب، تستند إلى إيقاعات الكومبيا التي اشتهرت بها فرقة “لوس أنجليس أزوليس”، فيما تضفي بليندا على العمل مسحةً رومانسية تجعلها أقرب إلى الحميمية والتعاطف منها إلى روح التنافس الرياضي.
فيما تشير الأغنية السادسة “أمم ثلاثة: 21” إلى الفكرة التنظيمية وراء هذه الدورة، المتمثلة في إشراك ثلاث دول في شرف الاستضافة، وذلك بإسقاطها على تعاون ثلاثة موسيقيين هم 21 سافج وناتانيل كانو وفرنش مونتانا. ومن خلال الراب، وباللغتين الإسبانية والإنكليزية، يحتفي هؤلاء بسلمية روح القتال الرياضي.
أما “لا مكان مثل الوطن”، ذات الترتيب السابع بين التراكات، فتخاطب الروح الوطنية التي جعلت الفرق الرياضية وجماهيرها تقطع المسافات الطويلة لتحتشد في ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ومن خلال ثلاثي ضمّ النيجيري داڤيدو والكندية البرتغالية نيلي فورتادو وفرقة ميجور ليزر (Major Lazer)، يبعث المونديال بطاقة تحية إلى الأوطان، موقّعة بالإيقاعات الراقصة الأفريقية.
بطاقة تحية أخرى موجّهة هذه المرة إلى فرقة موسيقية عريقة هي “ذا رولينغ ستونز”، باستضافة أغنية لها من إنتاج هذا العام بعنوان “في النجوم”، لم تصدر في وقتها، وإنما أُدرجت ضمن قائمة المونديال لتكون التراك الثامن، ولتذكّر الجيل الجديد بلون الروك آند رول الذي أخذ يخبو سحره، خصوصاً في الاحتفالات العالمية ذات الطابع الشبابي، التي باتت أكثر ميلاً إلى يسارِ الذائقة العامة.
تعزز الأغنية التاسعة “أرني” الطابع الموسيقي الأشد سواداً في الألبوم، أي المزج بين الأفروبوب والهيب هوب، ممثلاً بالنجمة النيجيرية الصاعدة آيرا ستار ومغنية الراب الأميركية لاتو، اللتين تخاطبان المتنافسين من منظور تنمية ذاتية يؤكد الثقة بالنفس والطموح الشخصي، مبتعدتين عن موضوعات الجماعة والجموع واستحضار أجواء الفرق والمدرجات.
مستغلّةً إرثها الكروي الناصع وتراثها الموسيقي المتميز، تواصل المكسيك حضورها القوي في الألبوم عبر الأغنية العاشرة “يا مكسيكيَّ الوسيم”، إذ يستدعي أليخاندرو فرنانديز تقليد غناء الرانتشيرا ذائع الصيت حول العالم من أجل دلالة مباشرة على حبه لبلده، لتعود موضوعة الانتماء لتشغل الموسيقى المشاركة لما لها من ارتباط وثيق بالمنافسة الرياضية بين الأمم.
ينضم التراك الحادي عشر بعنوان “بركة” إلى سابقه في توفير استراحة وجيزة من سطوة الهيب هوب المعاصر الذي غمر معظم الألبوم. ذلك على الرغم من مشاركة أحد مشاهير الراب البريطانيين، ستورمزي، إذ تتميز الأغنية بشاعرية غنائية متجذّرة في الأفروبيت، بفضل مشاركة كل من مواطنه نجل والأميركي فرايدي.
على إيقاع التكنو، تدعو الأغنية الثانية عشرة طاقة المستمعين إلى الرقص، كأنهم يملؤون مقاعد أحد الملاعب الرياضية ويهمّون بتحريك أجسادهم بصورة متّسقة على وقع الجمل اللحنية الممتدة للمغنية الأميركية الألبانية آفا ماكس ورشقات الراب الحيوية لمواطنتها BIA.
لئن اختير للأغنية الثالثة عشرة، المعنونة “أخفّ”، إخراج سينمائي يذكّر بالهيب هوب، فإن الموسيقى تمثل الكونتري الأميركي جزءاً من ثنائي يجمع نجم تينيسي جيلي رول والمغني المكسيكي كارين ليون. يشير تعاون الاثنين إلى الجوار الجيوثقافي الذي يجمع البلدين والعلاقات البشرية العابرة للحدود بينهما، من خلال كلمات تحتفل بالكفاءة طريقاً إلى التألق.
يعيد التراك الرابع عشر أجواء أغاني المونديال كما حفظها عشاقه على مدى العقود الثلاثة الماضية. فكل من الحماسة والحيوية والموتيفات المعدّة للترديد في الملاعب تجعل من “سير سير”، لكل من المغربية الكندية نورة فتحي والمنتج
البنغلادشي سانجوي والرابر الفرنسي فيجيدريم، لوحةً موسيقية كروية راقصة.
ينفرد المغني الفنزويلي الشاب داني أوشن بغناء التراك الخامس عشر، مختاراً لأغنيته عنواناً مونديالياً خالصاً “بارتيدازو”، الكلمة الإسبانية التي تعني كلمة حفل ويرادفها بالعربية العرس الكروي. أما لجهة الأسلوب، فالموسيقى بدورها بوب لاتيني خالص.
لعل “بطل”، ذات الترتيب السادس عشر على قائمة الأغاني، محاولة أخرى للفوز بلقب النشيد غير الرسمي للمونديال، وذلك من خلال تقديمها ثيمة حماسية يسهل ترديدها وتسكن وجدان المتابعين. أما صاحبها آي شو سبيد، فاختياره يأتي فريداً بحكم أنه ليس من نجوم الغناء، وإن كان يهوى الراب، وإنما من مشاهير المؤثرين الكرويين على الإنترنت.
على غرار كل من “أضئ” و”بركة” و”لا مكان مثل الوطن”، تتجاوز الأغنية السابعة عشرة مضامين التنافس وثنائية الربح والخسارة نحو رفع الشعارات الإنسانية انطلاقاً من الوطني إلى العالمي، سواء لجهة غناء آر أند بي الذي تميّزت به الأميركية زيما، أو الروحانية الرستفارية التي يمثلها الجامايكي شاغي، أو الإيقاعات المفعمة بتفاؤلية الشمس الساطعة لدى الكوبي سيمافونك.
أما ختام الألبوم في “داي داي”، فيأتي لتأكيد فكرة التلاقي الأممي عبر البوب المعولم، مستضيفاً إلى جانب بورنا بوي النجمة الكولومبية شاكيرا، في ما يبدو تكريماً فنياً لصاحبة “واكا واكا” التي ارتبط اسمها لدى أسماع عشاق كرة القدم بكأس العالم 2010، حينئذ قدّمت لهم إحدى أكثر الأغاني المونديالية انتشاراً.
