قالت المرأة التي كانت تعاني من ضجر مزمن، وفراغ قاتل، وضيق من الناس، ورغبة في العزلة، قبل أن تستسلم وتصبح مدمنةً للمسلسلات التلفزيونية الطويلة، وعاشقة للأفلام والبرامج الوثائقية، وقد وجدت في ذلك العالم ملاذاً وحياة موازية ثرية مكتملة العناصر، قالت في معرض ردّها على نصيحة صديقة بالابتعاد عن الشاشة: تعجبني الحلقات الأخيرة من المسلسلات التركية على وجه الخصوص، لأنّها تأتي حاسمةً وخفيفةً، بنهاية سعيدة في معظم الحالات، لأنّ من يتابع تلك المسلسلات بكثافة، كما أفعل، يدرك براعة أصدقائنا الأتراك في تعقيد الأمور، والمبالغة في إيجاد أسباب الصراع، وتوريط المشاهد في القلق والتوتّر والترقّب والفضول والانحياز وملاحقة الأحداث بلهفة، بُغية الوصول إلى لحظة انفراج لا تتأتّى إلا عند حلول الحلقة الأخيرة. ليتفاجأ المتابع بأنّ تلك الصعوبات والعوائق والأحداث المتشابكة التي استهلكت أعصابه، وأخذت حيّزاً كبيراً من تفكيره، وامتدّت مئات الحلقات، تنتهي، بل تتلاشى، كأنّها لم تكن، بقدرة قادر ومن دون عناء، في الحلقة الأخيرة. يجري هذا بمنتهى البساطة والسلاسة، فيعود الضالّ إلى رشده، ويتوب الظالم عن ظلمه، ويسترجع المظلوم حقّه، وترضى الأمّ عن ابنها العاقّ، ويبارك الأب ابنته المتمرّدة بعد أن تعرب عن ندمها، ويلقى المجرم جزاءه العادل. وفي المحصّلة، ينتصر الخير، وتتحقّق العدالة، ويعمّ الفرح في الكون، وتزقزق العصافير، وتزهر الورود، وتثمر الأشجار، ويتزوّج الحبيبان بعد طول افتراق بسبب مؤامرات الحسّاد، في عرس مهيب، ويعيشان في “ثبات ونبات”، ويخلّفان الأولاد والبنات.
ونفرح لحظياً، نحن البلهاء، وقد تيبّست أطرافنا جرّاء الإفراط في الجلوس، وقد استُهلكت أعصابنا على مدى أشهر، وانغمسنا حتى أخمص… نعم، نفرح نحن الخاملين الكسالى، ونحن نتابع المشاهد الختامية البهيجة التي تتضمّن ثياباً زاهية، ووجوهاً جميلة، وضحكات منطلقة، ونظرات حبّ، وطبيعة غنّاء. غير أننا، ما إن نبتعد عن الشاشة، حتّى نستفيق ونتنبّه، بعدما زال الرحيق، إلى أنّ حياتنا المملّة على حالها؛ لم يحدث فيها أيّ تغيير؛ رتيبة، مملة، بائسة، خالية من الدهشة. الأيّام تتكرّر بالإيقاع البطيء نفسه، لا شيء غير متوقّع فيها. ندرك عندها أنّ مفعول المخدّر الدرامي قد نفد، وأنّنا سرعان ما سنسقط في شرك الاكتئاب والفراغ، وسندرك أنّ الحياة في الواقع مريرة، قاحلة، ثقيلة، وليس لها علاقة بما يجري في المسلسلات التي تخدّر عقولنا وتذهب بها بعيداً، وتمنحنا مشاعر الفرح الكاذب والطارئ. ليكتسحنا، في النهاية، إحساس هائل بالفراغ، والحقد على المخرج الذي لم يواصل لعبة الإيهام، وسلبنا لذّةً بريئةً كان من شأنها صرف ذهننا عمّا يجري. نحتاج بعدها إلى فترة كي نستعيد صلتنا بالواقع.
ولأنّنا، بفعل الموقف السالب من كلّ شيء، نظلّ عاجزين عن تقبّل النصيحة بضرورة التخلّص من عادتنا السيئة، والإقرار بحقيقة إدماننا الدرامي، ومحاولة إيجاد متعة أقلّ ضرراً، مثل ممارسة الرياضة، أو مجالسة الأصدقاء، أو الطهي، أو القراءة؛ ولأنّنا عاجزون عن صنع أسباب سعادتنا ذاتياً، بعد اعتيادنا موقع المتفرّج المتّكئ على منجزات الغير، نظلّ تائهين، مرتبكين، تعساء، حتّى يُعلن مسلسل تركي جديد، على ألّا تقلّ حلقاته عن المئتين، مع وعد بأجزاء تالية، ما يضمن لنا استغراقاً وانهماكاً في عالم ندرك أنّه وهمي، مشيّد من قصص ساذجة، وأحداث مفتعلة، وحبكات غير مقنعة، لكنّها، في كلّ مرّة، تجرّنا من آذاننا، وتبقينا أسرى لها، غير مخيّرين، نقع عند نهاية المسلسل في الفراغ ثانية، إلى أن يحين موعد مسلسل جديد، وهكذا دواليك.