يُعدّ الفن الإيروتيكي موضوعًا معقدًا، يتأرجح بين تحرير الرغبة، والرقابة المؤسساتية، وتطور النظرة. لقد لعب الفن الإيروتيكي دورًا محوريًا في تعزيز العدالة الاجتماعية والدعوة إلى التحرر الجنسي، إضافة إلى مكانته التشكيلية. فمن خلال تحدّي الأعراف المجتمعية وتوسيع حدود المقبول، شكّل هذا الفن أداةً فعّالة مكّنت الفنانين من معالجة قضايا الجنسانية والجندر والهوية.
يمكن القول أن محمد عبد الله، ومن خلال أعماله التي عرضها، تحت عنوان نحب Kama Sutra، لدى JAH Art gallery – Clemenceau”” (شارع مي زيادة)، استطاع الدعوة إلى مزيد من الحرية الجنسية ومقاومة قيود الأنظمة “القمعية”، في ما يخص هذه المسألة بالذات. هذا الموضوع ليس بجديد على الفنان، إذ سبق له أن طرق هذا الباب في معارض سابقة له، وكانت أعماله تلك أكثر وضوحاً، لناحية تسمية الأشياء بأسمائها تصويرياً.
على أن الفنان، في معرضه الجديد، لم يذهب إلى صور مباشرة تحيط بالموضوع، كالتي كان سبق له صنعها، وطغى عليها الطابع الغرافيكي. في معرضه السابق، العائد إلى العام 2017 جرى النظر إلى العلاقة الجنسية كمسألة بديهية، ولم يتورّع عبدالله عن تبيان مواقف حميمة ترتبط بالعلاقة بين الطرفين: الذكر والأنثى. ليس في الأمر ما يدعو إلى الإستهجان، كما يحلو للبعض إيراده من كلام يدور حول العيب والعفة والأخلاق “الحميدة”. وللمناسبة، إذا ما عدنا إلى تاريخ الفن، وإلى النحت تحديداً، فإن المنحوتات الإيروتيكية في الهند تحتفي بالرغبة والحسية والروحانية. وأشهر مثال على ذلك موجود في ولاية ماديا براديش ضمن معابد خاجوراهو، وهي المنحوتات العائدة إلى ما بين القرنين العاشر والثاني عشر، ضمن الموقع المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو. هذه التماثيل ليست مبتذلة، بل هي جزء من فلسفة تعتبر الرغبة (Kama) كمرحلة من مراحل الارتقاء الروحي. وتجسد هذه النقوش البارزة الانسجام الكوني والتانترا (Tantra- هي فلسفة ومسار روحي نشأ في الهند، ويعود تاريخه إلى آلاف السنين).
يرتبط بالفن والهوية ارتباطًا جزئيًا، وثمة العديد من الطرق التي يعتمد عليها الفنانون من أجل التعبير عن هويتهم وميولهم الجنسية. فالميول الجنسية، كما يعتقد البعض، جانب متعجرف ومتشعب من جوانب الهوية، ومن الصعب اختراقه، لا سيما في مجتمع غالبا ما يفرض معايير وقيودًا على التعبير الجنسي. ومع ذلك، يمكن للفن أن يكون أداة فعّالة لاستكشاف الميول الجنسية والاحتفاء بها، وكسر المحرمات والحواجز، وتوفير منصة تمكّن الخليقة من الحديث عن ميولها الجنسية الحرة.
وفي كل الأحوال، لا يهدف هذا النوع من النتاج الفني، ومن ضمنه ما قام بصناعته محمد عبد الله في معرضه، تحت عنوان “كاما نحب سوترا” (كلمة Kama جرى تفسيرها أعلاه)، إلى إثارة الغرائز، بل يتطرّق إلى مسألة عادية تندرج ضمن الإحتيجات الرئيسية للجنس البشري، أو لبقائه على الأقل. ويخيّل إلينا أن الفنان كان استلهم، ولو من بعيد، في بعض أعماله، شيئاً من تلك اللوحات النحتية المذكورة في ما يخص عمليات التأليف التي اعتمدها، من حيث اللجوء إلى الشكل الأقرب إلى المربع أو المستطيل، حيث تختلط الأجساد، وتتداخل عناصرها، أو تتناثر. هذا التناثر تحديداً، إضافة إلى عوامل أخرى، أضفى على اللوحة طابع التجريد، فتجزئة اللوحة واعتماد المساحات اللونية الصافية، كبيرة كانت أم صغيرة، من دون الدخول في التفاصيل، وبالرغم من بعض الإشارات إلى أشكال واقعية، هذه الأمور كلّها تدفعنا إلى نسب العمل إلى الفن اللاتمثيلي، في أحد وجوهه المتعددة.
من خلال معاينة نتاج محمد عبد الله، وما رأيناه في حالات مماثلة، تصبح اللوحة مهدًا لعقلٍ لا واعٍ “مُحطّم”، فقدَ كلّ يقينٍ، ولم يتبقَّ منه سوى الدوافع الأبدية التي تُتيح له البقاء: السعي وراء الحب والحرية. وإذ شئنا أن نستطرد في هذه المسألة، نظراً لعلاقتها الوثيقة بالموضوع، نذكر أن بريتون كان كتب، في العام 1939، عن عمل ماسون: “ما زلنا نؤمن بأن الفن، قبل كل شيء، يجب أن يكون حبًا لا غضبًا أو شفقة”. وكتبت الفنانة الفرنسية جاكلين لامبا (1910- 1993) بعد بضع سنوات: “أي تعبير في الفن خارج نطاق الحرية والحب هو تعبير زائف”. هذه الرغبة المُكثّفة في الحب، هذا الانفجار للطاقات البدائية، يتحوّل إلى فعل حب، إلى دافع جنسي، إلى إبداع. يحتاج الفنانون إلى إيجاد تمثيل بصري جديد له، وهنا يتبادر إلى الذهن عمل دوشامب “الزجاج الكبير”. علاوة على ذلك، فإن عرض دوشامب هو الذي يفتتح قسم “الشظايا” من كتاب “السريالية والرسم”، حيث نجد الفنانين المذكورين آنفًا. يُعرَّف العمل الزجاجي الكبير هناك بأنه: “غنيمة صيد أسطوري في أراضٍ بكر، على حدود الإثارة، والتأمل الفلسفي، وروح المنافسة الرياضية، وأحدث البيانات العلمية، والشعرية، والفكاهة “. أما لوحة “العروس العارية من قبل عُزّابها”، حتى من أعمال دوشامب، فتمثل إثارة مُغطاة بالشفافية، وثباتًا متفجرًا لأشكال مُجمدة ولكنها في حركة دائمة، وفوق كل ذلك، يُعد العمل صورة لتسامي الرغبة.
إن الإحباطات الناجمة عن ظروفهم تجعل هؤلاء الفنانين عُزّابًا في “الزجاج الكبير”، يتوقون إلى الكشف عن عروسهم، وهي استعارة للحرية والحياة والحب، وأيضًا للرغبة المستحيلة. يُخيّل إلينا أن محمد عبد الله ليس ببعيد عن هذه النزعة، وعن الطريقة التي تنفجر من خلالها دوافع الفنان المكبوتة على اللوحة، حيث تتمدد الألوان، وتتدفق الأشكال بانسيابية أو تتجسد بطريقة ما. قد تبدو بعض الأشكال، بحسب تصوراتنا، رمزاً الخلق، تتألف من عوالم مائية وكهوف تستحضر فضاءات الرحم. تمثل الأعمال غوصًا في الجسد البشري في أكثر جوانبه بدائية وقوة: جنسه، سوائله، أحشائه. إنه عالم مصغر تنبثق منه الحياة، حيث تغلي الرغبة الجنسية، ويتردد حوله صدى تهديد الموت. عالم من الخوف والنشوة، من التوتر والتحرر، يتكشف على اللوحة.
في عودة أخرى إلى تاريخ الفن، يمكن رؤية كيف تحول القلق الذي شعر به الفنانون السرياليون الشباب بشدة خلال فترة الحرب (نحن أيضاً نعيش حرباً) في اللاوعي إلى فيضان من القوة والحياة. أصبح الموت موتاً صغيراً يتجاوز كل الواقع الظرفي، وينفجر كمعاناة ومتعة، وعنف ورغبة، وحظر وهجر.
