بحثاً عن تقديم سرديات أوسع لتاريخ الفن والثقافة وتطور الحضارات الإنسانية، يحرص متحف اللوفر أبوظبي على تعزيز مجموعة مقتنياته بقِطَع قيمة ونادرة تضيف لما يقدمه من تجارب فريدة لزواره، ومن أبرز هذه القطع العمل الفني «انتصار داوود»، الذي تم ضمه لمعروضات المتحف في الفترة الأخيرة، بعد أن خضع العمل لبرنامج ترميم وصون مكثّف نُفّذ في الموقع من قِبَل مركز الترميم والمختبر العلمي التابع للمتحف بهدف الحفاظ على اللوحة على المدى الطويل، وإتاحتها للعرض للجمهور.

وأوضحت أخصائي الشؤون العلمية في متحف اللوفر أبوظبي، سلامة البلوشي، لـ«الإمارات اليوم» أن «انتصار داوود» عمل استثنائي يعود إلى القرن الـ17، ويتكوّن من ألواح جلدية مطلية ومذهّبة يبلغ طولها الإجمالي 18 متراً، ورغم عدم بقاء أي توقيع أو وثائق تاريخية تُثبت هوية الفنان، تشير الدراسات الأسلوبية إلى أنّ العمل تم إبداعه في نحو عام 1650 على يد فنان من المدرسة الهولندية، يُرجّح ارتباطه بدائرة الفنان رامبرانت، ويتميّز العمل بالاستخدام الدرامي للضوء والوجوه التعبيرية والأزياء الغنية بالتفاصيل، وهي سمات تُعرف بها اللوحات الهولندية في تلك الفترة، في حين تضفي عناصر من الأزياء والزخارف الشرقية على التكوين هوية بصرية فريدة، ويجسّد المشهد القصة التوراتية لانتصار داوود على جالوت، مع التركيز على الموكب الاحتفالي الذي أعقب هزيمة العملاق، وهو موضوع حظي بشعبية كبيرة في الأعمال الزخرفية واسعة النطاق، مثل المنسوجات والمعلّقات الجلدية الجدارية خلال القرنين الـ16 والـ17.

وأضافت: «قبل عرضه في متحف اللوفر أبوظبي، خضع العمل الفني لبرنامج ترميم وصون مكثّف تم تنفيذه في الموقع من قبل مركز الترميم والمختبر العلمي التابع للمتحف، حيث كانت الألواح في حالة هشاشة شديدة وتحمل آثار تعديلات متعددة أُدخلت عليها عبر القرون، وعلى مدى عامين، نفّذ خبراء الترميم معالجات متخصصة للغاية، شملت إزالة الإضافات البنيوية التي تعود إلى القرن الـ19، وتثبيت أجزاء الجلد الضعيفة، إلى جانب معالجة دقيقة للأسطح الملوّنة والمعدنية، وقد أسهم هذا التدخل الدقيق في ضمان الحفاظ على العمل على المدى البعيد، وأتاح للجمهور فرصة استكشاف شكل نادر وضخم من الفنون الزخرفية، نادراً ما يُعرض نظراً لهشاشته».

سياسة الاقتناء في المتحف

وعن مقتنيات المتحف ونظام عرضها، أوضحت البلوشي أن اللوفر أبوظبي يعتمد نهجاً فعالاً في عرض مقتنياته، حيث يتم تدوير الأعمال الفنية بشكل منتظم بين القاعات، بما يوفر للزوّار المترددين على المتحف رؤى وتجارب جديدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استمرارية السردية العامة للمتحف، وبدلاً من التركيز على الأعمال الفنية بوصفها عناصر منفصلة، يتم تقديمها ووضعها في سياقاتها من خلال موضوعات تنسيقية متجددة تمتد عبر الفترات التاريخية والفصول المختلفة التي تنظّم قاعات العرض، ويتيح هذا النهج للمتحف إعادة تشكيل سرديته وإثراءها باستمرار مع مرور الوقت، مع الحفاظ على التماسك والعمق اللذين يتحققان أثناء تجربة الزوّار، لافتة إلى أن سياسة الاقتناء في المتحف تركز على الأعمال التي يمكن أن تُسهم بصورة فاعلة في السرديات الأوسع لتاريخ الفن والثقافة، وبدلاً من اقتناء الأعمال بشكل منفصل، يُنظر لكل إضافة جديدة إلى المجموعة من حيث قدرتها على إثراء الحوار الفني التنسيقي بين قاعات العرض ودعم السردية المتطورة للمتحف، كما يُولي اهتماماً خاصاً لتعزيز تمثيل المناطق والتقاليد الفنية التي لم تحظَ بالاستكشاف الكافي، بما يضمن استمرار تطور المجموعة بأسلوب متوازن ومدروس، وهناك معايير واعتبارات رئيسة للحكم على مكانة القطع الفنية، من أبرزها الأهمية التاريخية والفنية والندرة والحالة الفنية للعمل وأصوله التوثيقية، إلى جانب قدرته على تعميق فهم التاريخ الإنساني المشترك.

كفاءات إماراتية

وفي ما يتعلق بالكفاءات الإماراتية ضمن فريق المتحف، أوضحت البلوشي أن نحو نصف القوى العاملة في المتحف من الإماراتيين، وهو ما يعكس توطيناً حقيقياً للخبرات والتزاماً مستداماً بترسيخ المعرفة داخل دولة الإمارات، وذكرت أن المتخصصين الإماراتيين يشاركون بفاعلية في الرعاية اليومية للأعمال الفنية ودراستها وحفظها، مسهمين في المحافظة على المجموعة الدائمة للمتحف والإعارات الفنية طويلة الأمد، كما ذكرت أن تطوير الكفاءات الإماراتية يمثّل إحدى الركائز الأساسية في رسالة متحف اللوفر أبوظبي الذي يلتزم بتأهيل جيل جديد من المتخصصين في مجالات التراث والحفظ، من خلال الاستثمار في برامج التدريب طويلة الأمد والتوجيه المهني والخبرة العملية المباشرة في مجالات التنسيق والمجموعات الفنية وأعمال الترميم والحفظ، مضيفة: «يقوم مركز الترميم والمختبر العلمي التابع للمتحف، والذي يُعد الأول من نوعه في منطقة الخليج بتدريب الكفاءات الإماراتية ودمجها بشكل مباشر في مجالات علوم الترميم وتحليل المواد ومشاريع الترميم المعقّدة، من خلال العمل جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين، بما يسهم في بناء خبرات محلية راسخة، ويتجلى هذا النهج في معالجة عمل (انتصار داوود)، حيث شملت عملية الترميم فحوصات موسعة، وتقييماً دقيقاً للحالة، وأعمال تثبيت ووضع خطط علاجية بالتشاور مع خبيرة الترميم سيلين بونو-ديكون، التي سبق أن عملت على القطعة خلال معالجتها السابقة في فندق لامبير بباريس قبل نحو 20 عاماً، وقد تطلّب المشروع تعاوناً وثيقاً عبر مختلف مراحل التدخل، ومنها تنفيذ إجراءات دقيقة استغرقت وقتاً طويلاً، ما يعكس التعقيد التقني للعمل الفني ومستوى الخبرة المتقدمة في مجال الترميم والصون التي يجري تطويرها وممارستها داخل المتحف».

مشاريع ترميم معقدة

وأوضحت البلوشي أن مركز الترميم والصون في اللوفر أبوظبي نجح في تنفيذ مجموعة واسعة من مشاريع الترميم المعقدة وواسعة النطاق، بما يعكس عمقه التقني ودوره المتنامي كونه مركزاً إقليمياً للخبرة في هذا المجال، ويركّز المركز على الأعمال التي تطرح تحديات مادية أو هيكلية أو تاريخية كبيرة، والتي تتطلب في كثير من الأحيان حلولاً مصممة خصوصاً، وأساليب ترميم عالية التخصص، مشيرة إلى أن من بين هذه المشاريع أعمال ترميم ألواح جلدية مذهّبة كبيرة الحجم مثل «انتصار داوود»، إلى جانب مجموعات مهمة من المنسوجات والدروع، وتبرز هذه المشاريع قدرة المركز على التعامل مع أعمال نادراً ما تخضع للترميم أو العرض بسبب حجمها أو قِدمها أو حساسية موادها، ومن الأمثلة على ذلك سجادة بثلاث ميداليات زخرفية أُنتجت في مشاغل البلاط المملوكي في القاهرة، حيث تم تثبيتها على دعامة صلبة جديدة لضمان الحفاظ عليها على المدى الطويل، بالإضافة إلى مجموعة دروع عثمانية للفارس والحصان، استُكملت خلالها الأجزاء المعدنية المفقودة، واستُبدلت الدعامات النسيجية، بهدف استعادة الثبات والتماسك البصري للعمل.

. يتم تدريب الكفاءات الإماراتية ودمجها بشكل مباشر في مجالات علوم الترميم وتحليل المواد ومشاريع الترميم المعقدة.

Google Newsstand

تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

Share

فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App