على نمط الأفلام الوثائقية البوليسية، نشرت وزارة الداخلية السورية مقطعاً قصيراً قدّمت فيه ملابسات السرقة التي تعرض لها منزل الممثلة منى واصف في دمشق. وجاءت أهمية المقطع من القضية نفسها ومن الطريقة التي اختارت الوزارة أن تروي بها الجريمة.
استخدم الفريق الإعلامي للوزارة إضاءة خافتة ووجوهاً مطموسة ومقابلات مع المتهمين وإعادة تمثيل لبعض لحظات التحقيق ولقطات قريبة لأعقاب سجائر وعبوة زيت، في أسلوب يحاكي أعمال “true crime” ويمنح البيان الأمني طابعاً فنياً وتشويقياً.
بهذا المعنى، تحولت ملابسات الكشف عن السرقة إلى مادة بصرية مكتملة العناصر، فيها ضحية معروفة ومتهم مع زوجته ومحقق مجهول الوجه ودليل صغير تقدمه الرواية بوصفه مفتاح الحل واعترافات تقود الحكاية إلى نهايتها. ومع اكتمال السرد درامياً، بقيت أسئلة قانونية وإعلامية معلقة حول ما يمكن للمؤسسة الأمنية أن تعرضه للجمهور والطريقة التي تختار بها عرض ذلك.
مسروقات ثمينة
وحسب الرواية التي عرضها المقطع، دخل المتهم وزوجته إلى منزل منى واصف باستخدام نسخة من المفاتيح، بعدما كان مفتاح المنزل موجوداً داخل حوض نباتات قرب الشقة، من دون حصول كسر أو خلع في الباب. وتحدثت واصف في المقطع عن سرقة نحو 185 ألف دولار أميركي و100 ألف درهم إماراتي، إضافة إلى مصاغ ذهبي ومبالغ بالليرة السورية، استخدم المتهم جزءاً منها، وفق الرواية الأمنية، في شراء عقارات وسيارة. وبقيت تفاصيل استعادة الأموال أو مصير الممتلكات المشتراة غير واضحة بالكامل في المقطع.
وإلى جانب عرض الوقائع والشهادات، أعاد الفيديو بناء الجريمة بصرياً، فظهرت لقطات لزجاجة زيت على الأرض ومشاهد لرفع عقب سيجارة بملقط داخل كيس أدلة وممرات معتمة يدخل منها أشخاص بظلال سوداء، إضافة إلى مقابلات مع المتهمين وقد طُمست وجوههم. ومنحت هذه اللغة البصرية التقرير طابعاً تشويقياً ونقلت السؤال من تفاصيل ما حدث إلى سبب اختيار وزارة الداخلية لهذا الشكل من الحكاية.
وحسب الاعترافات المعروضة في المقطع، حاول المتهمان طمس الأدلة عبر رش الزيت ومواد تنظيف ومسح الأسطح التي لامساها، ثم عثر المحققون على أعقاب سجائر داخل مسرح الجريمة، وقدّمتها الوزارة بوصفها الدليل الأهم الذي ساعد في الوصول إلى المشتبه بهما.
أسئلة حول التحقيقات
ومقابل هذه الحبكة المحكمة، ترك المقطع فراغات واضحة. فهو يترك أسئلة حول كيفية انتقال التحقيقات من أعقاب السجائر إلى تحديد هوية المتهمين، ومن شملتهم التحقيقات الأولى، وما إذا كان هناك أشخاص آخرون دارت حولهم الشبهات قبل الوصول إلى الزوجين. كذلك بقي تاريخ إلقاء القبض الفعلي على المتهمين غير واضح، وكذلك المرحلة القضائية التالية بعد الاعترافات، وما إذا كانا قد أُحيلا إلى القضاء، وما إذا صدر قرار اتهام بحقهما، وما إذا كانت المسروقات قد استُعيدت كاملة، وما إذا كانت العقارات التي اشتُريت بالأموال المسروقة ستباع لإعادة الحقوق إلى صاحبتها.
وتزداد الأسئلة مع المقارنة بين هذه القضية وقضايا أخرى أعلنت عنها وزارة الداخلية في الفترة الماضية. ففي حالات توقيف متهمين بجرائم مرتبطة بالنظام السابق أو بجرائم جنائية أخرى، ظهرت صور الموقوفين علناً بلباس السجن المخطط على صفحات رسمية أو شبه رسمية. أما في قضية سرقة منزل منى واصف، فاختارت الوزارة تعتيم وجوه المتهمين، كما عتّمت وجه المحقق الذي تحدث في المقطع. ويطرح هذا التباين سؤالاً أساسياً عن معايير النشر، ومتى تُكشف وجوه الموقوفين ومتى تُحجب ومن يقرر ذلك وعلى أي أساس قانوني أو إعلامي.
ويصبح هذا السؤال أكثر حساسية عندما يستخدم المقطع توصيفات حاسمة مثل “الجاني” و”زوجة الجاني”، في حين أن الأصل القانوني يقتضي التعامل مع الأشخاص بوصفهم متهمين أو مشتبهاً بهم إلى حين صدور حكم قضائي. فالمشكلة هنا تتصل بجمالية الفيديو وجودته التقنية، كما تتصل باللغة التي تنتجها المؤسسة الأمنية حين تروي قضية ما زالت، من حيث المبدأ، في مسار قانوني.
نجاح الأمن
ويمكن القول إن الفيديو يخدم هدفاً عاماً، فهو يظهر قدرة الأمن الجنائي على كشف الجريمة ويطمئن الجمهور ويسعى إلى ترميم الثقة بالمؤسسة الأمنية ويرسل رسالة ردع لمن يفكر بارتكاب جرائم مشابهة. وفي الوقت نفسه، قد يتحول إلى مادة دعائية إذا غابت عنه التفاصيل القانونية الكافية أو إذا قدّم الاعترافات بوصفها نهاية العدالة وليس بداية المسار القضائي.
كما يطرح المقطع سؤالاً إضافياً حول قابلية تكرار هذا الشكل من الإنتاج الإعلامي. هل كانت وزارة الداخلية ستنتج مادة مشابهة لو كانت الضحية مواطناً عادياً، لا شخصية عامة بحجم منى واصف؟ وهل تحظى قضايا المواطنين العاديين بالقدر نفسه من الاهتمام البصري والمؤسساتي؟ أم أن شهرة الضحية هي التي حوّلت السرقة إلى قضية رأي عام تستحق هذا المستوى من الإخراج؟
ومن هنا تأتي أهمية قراءة المقطع كمؤشر على شكل جديد من الاتصال الأمني في سوريا. فقد اختارت الوزارة إنتاج سردية بصرية كاملة بدل الاكتفاء ببيان مكتوب، ووضعت المشاهد في حالة متابعة ومشاهدة. غير أن الجمهور في قضايا كهذه يحتاج إلى التشويق والشفافية معاً، ويحتاج إلى معرفة كيف بدأت التحقيقات وما الإجراءات القانونية وما حقوق المتهمين وما حقوق الضحية وما المرحلة التالية بعد انتهاء الكاميرا من التصوير.
