أدرج نجيب محفوظ المسرحيات التي كتبها في المجموعات القصصية، ما جعل تناولها النقدي يبقى محدوداً، قياساً بالاهتمام الذي شمل أعماله الروائية والقصصية. وتصدر دار الجامعة الأميركية في القاهرة، في 18 أغسطس/ آب المقبل، الترجمة الإنكليزية لمسرحياته، مجموعةً في كتابٍ واحد، يحمل عنوان “الشيطان يعظ: ثماني مسرحيات من فصل واحد”، بترجمة سارة عناني ونهاد صليحة، ويضم المسرحيات التي كتبها محفوظ في الستينيات والسبعينيات.
وقد بدأ محفوظ كتابة المسرح في مرحلة تالية لنكسة يونيو/ حزيران 1967، وهي مرحلة شهدت في الأدب العربي مساءلة نقدية، مع حضور للأسئلة السياسية والاجتماعية في مختلف أشكال الكتابة. وتظهر في مسرحيات محفوظ عبر بنية رمزية، إذ ترد الشخصيات بأسماء عامة أو صفات مثل الرجل والمرأة والفتى والفتاة والعملاق. كما يتراجع المكان التفصيلي الذي ميّز أعماله الروائية، وينوب عنه فضاء مسرحي موجز، يقوم على المواجهة بين الشخصيات، في مشاهد قصيرة.
أما عن الموضوعات التي ميّزت أعماله المسرحية، فتدور مسرحيات عدة حول السلطة، والتفكير في النجاة، والهروب من المساءلة. كذلك يظهر أثر الأجواء السياسية التي أعقبت 1967، مع التحولات اللاحقة في السبعينيات. وقد ذكر في أحد حواراته: “لم أفكر من قبل أن أكتب للمسرح، ولأن الرواية تتطلب وقتاً طويلاً، رأيت أن المسرح أجدى وأهم في ذلك التوقيت بعد هزيمة 67”.
تعتمد الكثير من مسرحيات محفوظ على موقف واحد، إذ تدخل شخصيات متقابلة في شكل الجدل والحوار وصراع الأفكار، وقد اتكأ في مسرحياته على خبراته في سرد القصص القصيرة. كذلك تم إعداد تسعة أعمال روائية له مسرحياً.
اتكأ في مسرحياته على خبراته في سرد القصص القصيرة
ومع خلاف النقّاد حول أهمية أعماله المسرحية، ذكر نجيب محفوظ نفسه في أحد الحوارات: “لا أعترف بنفسي ككاتب مسرحي”. وتضم المجموعة مسرحيات: “التركة”، و”النجاة”، و”الجبل”، و”يُميت ويحيي”، و”مشروع للمناقشة”، و”المهمة”، و”المطاردة”، و”الشيطان يعظ”. وقد ظهرت بعض هذه المسرحيات في الأصل داخل مجموعات قصصية، إذ نُشرت خمس منها في مجموعة “تحت المظلة”، ثم ظهرت “المطاردة” في “الجريمة”، بينما ضمّت مجموعة “الشيطان يعظ” مسرحيتي “الجبل”، و”الشيطان يعظ”، وكانت بعض مسرحيات محفوظ قد تُرجمت أو نُشرت سابقاً في صيغ متفرقة.
وأما المسرحية التي تأخذ المجموعة عنوانها، فهي مستلهمة من “مدينة النحاس” في ألف ليلة وليلة. وتدور أحداثها في العصر الأموي، حين يطلب الخليفة عبد الملك بن مروان الحصول على قمقم من قماقم العفاريت المدفونة في الصحراء. يكلّف طالب بن سهل بالذهاب إلى موسى بن نصير، ويصطحبون دليلاً عارفاً بالصحراء، وهو عبد الصمد بن عبد القدوس. تصل الشخصيات إلى مدينة غامضة يبدو أهلها كأنهم عالقون عند لحظة موت قديمة. هناك تنكشف حكاية الملكة ترمزين، التي منحها العفريت قوة خارقة، فاستخدمتها في السيطرة، ثم طالبت الناس بعبادتها. يعيد العفريت الحياة إلى المدينة زمناً قصيراً. ويقرر الرجال عدم تسليم القمقم إلى الخليفة، لأن القوة المطلقة قد تتحول إلى استبداد جديد، وللمسرحية إسقاطات سياسية يوظف فيها محفوظ الواقع داخل الأسطورة.
