في الذكرى الـ110 لولادة زكي ناصيف، عودة إلى أحد أبرز صنّاع الأغنية اللبنانية الحديثة، وإلى إرثٍ موسيقي وثّق ملامح الوطن وساهم في تشكيلها وجدانياً عبر أعمالٍ ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية. فمن خلال ألحانه وكلماته، استطاع ناصيف أن يمنح الأغنية اللبنانية لغةً تجمع بين البساطة والعمق، وأن يرسّخ صورةً موسيقية للبنان تستلهم الأرض والناس والقرية والفرح والأمل.
احتفاءً بهذه المناسبة، نظّمت “فيلوكاليا”، بالتعاون مع برنامج زكي ناصيف في الجامعة الأميركية في بيروت، أمسية تكريمية استعادت محطات من تجربته الفنية، وقدّمت مختارات من أشهر أعماله التي عبرت الأجيال من دون أن تفقد قدرتها على ملامسة الجمهور.

جانب من الأمسية التكريمية لزكي ناصيف. (نبيل إسماعيل)
أحيت الأمسية جوقة “فيلوكاليا” بمرافقة فرقة موسيقية، وبمشاركة الفنانة رفقا فارس، وفرقة برجا للفنون الشعبية، إلى جانب ضيفة الشرف زينة صالح كيالي. وتولّى التوزيع الموسيقي إياد كنعان، بينما قادت الأمسية الأخت مارانا سعد.

الأخت مارانا سعد تقود الأمسية. (نبيل إسماعيل)
لا يقتصر هذا اللقاء على استعادة أغنيات خالدة، بل يشكّل مناسبة للتأمل في أثر زكي ناصيف، وهو أحد البنّائين الأساسيين للهوية الموسيقية اللبنانية في القرن العشرين. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، لا تزال أعماله تُغنّى وتُدرّس وتُلهم أجيالاً جديدة من الموسيقيين، مؤكدةً أن الفن الصادق قادر على تجاوز الزمن، وأن الألحان التي وُلدت من محبة الإنسان والوطن تبقى حيّة في الذاكرة والثقافة معاً.

“فيلوكاليا“ تكرّم السيدة الأولى نعمت عون. (نبيل إسماعيل)
شكّل ناصيف أحد أبرز أعمدة النهضة الموسيقية اللبنانية في القرن العشرين، إذ أسهم في صياغة هوية الأغنية اللبنانية الحديثة من خلال مشروع فني جمع بين الأصالة والتجديد. استلهم التراث الشعبي والبيئة الريفية والإيقاعات المحلية، لكنه قدّمها بلغة موسيقية معاصرة حافظت على بساطتها وعمقها في آن واحد. وبفضل ألحانه وكلماته، تحوّلت الأغنية اللبنانية من تعبير محلي إلى خطاب ثقافي يعبّر عن صورة لبنان وطبيعته وإنسانه، ويجسّد قيماً مثل الانتماء والكرامة والأمل.

جانب من الأمسية التكريمية لزكي ناصيف. (نبيل إسماعيل)
ولا يُقاس إرث زكي ناصيف بعدد الأغنيات التي تركها فحسب، بل بالأثر الذي أحدثه في الوجدان اللبناني والعربي. فقد تعاون مع كبار الفنانين، وأسهم في اكتشاف أصوات جديدة، كما ترك بصمة بارزة في التعليم الموسيقي والعمل الأكاديمي، مؤمناً بأن الموسيقى ليست وسيلة للترفيه فقط، بل ركيزة من ركائز الهوية الثقافية.
