​لم يكتفِ الوصول المتزامن لكل من فيلم «The Lord of the Rings» للمخرج بيتر جاكسون، وفيلم «Harry Potter» للمخرج كريس كولومبوس بتحدي القناعات والمسلّمات السائدة في الصناعة آنذاك، بل إنه نسف وهزّ هيكل شباك التذاكر العالمي بأكمله.

اعتمد النجاح التاريخي لسلسلة «The Lord of the Rings» على ثورة جذرية في النبرة والأسلوب الفني؛ إذ لم يتعامل المخرج بيتر جاكسون مع ملحمة «جي. آر. آر. تولكين» بوصفها حكاية خرافية للأطفال، بل صاغها ملحمة تاريخية واقعية، قاسية، ومفعمة بالتفاصيل الحية.

فلم تكن «الأرض الوسطى» مكاناً ينضح بسحر أثيري براق، بل كانت عالماً من الطين، والدماء، والحجارة التي أنهكتها عوادي الزمن، والدروع التي نخر فيها الصدأ.

​ومن خلال تطبيق مستويات صارمة وغير مساومة من الواقعية، نجح جاكسون في تخليص هذا النمط السينمائي من «وصمة الهواة والمهووسين» التي طالما طاردته، جاذباً إليه شرائح واسعة من الجماهير البالغة والناضجة، وهي الفئات التي كانت تفضل عادة ارتياد الأفلام الحربية التاريخية أو الأعمال الدرامية النخبوية والفاخرة.

​وقد حظيت هذه الرؤية الإبداعية بالدعم الكامل بفضل طفرة ونقطة تحول تكنولوجية حاسمة؛ إذ طور الفنانون والمبرمجون في استوديوهاتWeta» Digital» برمجيات متقدمة للمحاكاة الرقمية وتحريك الحشود مثل برنامج MASSIVE، الأمر الذي جعل عوالم الفانتازيا تبدو حقيقية وواقعية بشكل أخاذ وباعث على الذهول لأول مرة في تاريخ السينما.

كما أن التنفيذ الرقمي الباهر لشخصيات مثل «غولوم»، أو التجسيد المهيب والمخيف لعملاق النار «بالروغ»، عنى أن الجمهور لم يعد مضطراً لإرغام نفسه على غض الطرف والقبول بدمى متحركة خرقاء أو رسوم رديئة وغير مقنعة ليعايش القصة؛ فالعالم المعروض على الشاشة بدا ملموساً وواقعياً كعالمنا تماماً.

​ومع ذلك، فإن الأثر المدوي لسلسلة «The Lord of the Rings» لا يمكن فصله أو عزله بحال عن اللحظة التاريخية الحرجة التي عاصرت وقت طرحه؛ فمع العرض الأول لـ«The Fellowship of the Ring» بعد أشهر قليلة جداً من مأساة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، التقى الفيلم بجمهور عالمي يعيش صدمة جماعية عميقة وحالة مفاجئة من عدم الاستقرار السياسي.

ومن هنا، جاءت سردية الفيلم – التي تدور حول مجموعة صغيرة ومشتتة من ثقافات متباينة تتحد معاً لمواجهة شر مستطير وقابع في الظلال – لتلامس وتلبي احتياجات مجتمعية ونفسية عميقة.

​لقد قدمت هذه القصة عزاءً عميقاً للوجدان البشري، وحملت طمأنينة صريحة مفادها أن الأفراد العاديين، البسطاء، والذين يبدون بلا حول ولا قوة، قادرون على تغيير مسار ومصير عالم مرعب، فقط عبر تمسكهم بصلابة عقيدتهم الأخلاقية ووفائهم المطلق لبعضهم البعض.

وفي أعقاب النجاحات التوأمية الكبيرة لكل من «الأرض الوسطى» و«هوجوورتس»، دخل أدب وسينما الفانتازيا ربع قرن من التطور المستمر والمتقلب؛ مواكباً التحولات الجسيمة في ذائقة الجماهير، والاستراتيجيات التمويلية للشركات، والسياسة العالمية عبر ثلاث مراحل تاريخية بارزة.

​ففي الفترة التي تلت عام 2001 مباشرة، خرجت استوديوهات هوليوود بدرس مختزل وسطحي للغاية؛ إذ افترض المديرون التنفيذيون -ببساطة شديدة- أن الجماهير باتت تملك شهية لا تنقطع لأي ملكية فكرية تنطوي على السحر والنبوءات القديمة، فتسابقوا بجنون لشراء حقوق اقتباس كل سلاسل كتب الفانتازيا الموجهة لليافعين والشباب المتاحة في الأسواق.

​وكانت النتيجة بزوغ حقبة من الاستنساخ التجاري والمؤسسي الأعمى؛ حيث أُغرِق الجمهور بفيض من الأعمال المقتبسة مثل: The Chronicles of Narnia عام 2005. و Eragon عام 2006 و The Golden Compass عام 2007 و The Spiderwick Chronicles عام 2008.

​ومع وجود استثناءات شحيحة، انهارت هذه الموجة الأولى في نهاية المطاف تحت وطأة ثقلها ومحدودية أفقها.

فبعد تجريدها من الالتزام الفني والعمق الموضوعي اللذين ميزا أعمال بيتر جاكسون، بدت غالبية هذه الأفلام وكأنها منتجات استهلاكية مصنعة في أروقة الشركات، بدلاً من كونها عوالم عضوية نابضة بالتفاصيل الحية.

ومع نهاية ذلك العقد، خيّم شعور واضح وجلي بالإنهاك والملل على شباك التذاكر؛ إذ استُنزفت تيمة «الفتى المختار الذي ينقذ المملكة السحرية» الكلاسيكية تماماً، ما ترك الجماهير في حالة توق وشغف لأسلوب سردي أكثر نضجاً وتطوراً.

​المرآة السحرية: كيف أعادت «روحانيات البوب» والقلق السياسي وطفرة «الإنتاج الفاخر» صياغة أدب الفانتازيا (1-3)