لم تحمل الدعوى أي دليل قاطع. فخلال المحاكمة التي استمرت 11 أسبوعاً، أوضح القاضي نيكلين في حكمه أن الأمير هاري والمدعين الستة الآخرين في القضية ضد شركة “أسوشيتد نيوزبيبرز” لم يثبتوا أياً من ادعاءاتهم.

كان ذلك واضحاً مع تقدم جلسات الاستماع المطولة، ثم جاء الحكم ليؤكده. فقد كان على المدعين إثبات صحة اتهاماتهم، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، ولا مرة واحدة. كان هناك كثير من الغضب والعاطفة، غير أن اللحظة الحاسمة كانت تتطلب شيئاً آخر: تفاصيل فعلية يمكن التحقق منها، وهنا أخفقوا.

وجاء إخفاقهم كاملاً إلى حد أن قراءة الوثيقة المؤلفة من 436 صفحة، وما تضمنته من رفض لكل واحدة من التهم الـ97 التي زعموا فيها أن قصصاً عنهم نُشرت في “ديلي ميل” استناداً إلى معلومات جُمعت بطريقة غير قانونية، تثير سؤالاً جدياً عن الحكمة من رفع هذه الدعوى والمضي فيها حتى نهايتها المريرة.

لا يقتصر الأمر على التكلفة الباهظة التي يتعين عليهم دفعها – والتي تشير بعض التقديرات إلى أنها تبلغ 50 مليون جنيه استرليني – فالقضية انتهت بفائز واحد، وهذا الفائز لم يكن الأمير هاري.

خرجت “ديلي ميل” وصحافتها، التي بدت أحياناً عدوانية ومتطفلة في نظر المدعين السبعة، مبرأة من تهمة الاعتماد على مصادر غير قانونية. وربما كان محام آخر سيقول لهاري والآخرين إن عليهم نسيان الأمر وعدم خوض هذه المعركة من الأساس، لأن القضية، مهما بذلوا فيها من جهد، لم تكن قائمة على أدلة دامغة. صحيح أن محاميهم الرئيس، ديفيد شيربورن، دفع وجادل بقوة في المحكمة، لكنه لم يذهب بعيداً بما يكفي كي يصدر القاضي حكماً لمصلحتهم.

ربما غلبت مشاعرهم تفكير فريقهم، وربما سيطرت عليهم نوبة اندفاع لم يعد في الإمكان كبحها. أياً يكن السبب، فليست هذه المرة الأولى التي تُطرح فيها تساؤلات حول قدرة هاري على النظر إلى الأمور بهدوء وروية، واتخاذ موقف محايد وعقلاني، كما ينبغي للقاضي أن يفعل.

لقد خسروا، وخسر معهم شيربورن، وكذلك حملة “هاكد أوف”، المجموعة الناشطة التي لا تزال تصرخ في الظلام بشأن تنظيم الصحافة. وسيكون من المفيد لهيو غرانت ورفاقه المتحمسين للحملة، الذين يهاجمون وسائل الإعلام ثم يتوددون إلى الصحافة حين يكون لديهم ما يريدون بيعه، أن يقرأوا حكم القاضي. فالمدّعون السبعة لم يعجبهم ما فعلته “ديلي ميل” وما قالته، لكنه لم يكن مخالفاً للقانون.

وربما يجدر برئيس الوزراء الجديد، آندي بيرنهام، أن يتأمل ذلك أيضاً، وهو يستمع إلى مناشدات غرانت وآخرين. لدينا في هذا البلد صحافة حرة، ويجب أن تظل كذلك، مهما ارتفعت أصواتهم في التنديد والاحتجاج.

ومرة أخرى، عاد إلى الواجهة الفارق بين الشخصيات العامة وحق الجمهور في المعرفة، لا سيما أنه، في مفارقة لافتة، كان هاري لحظة صدور الحكم يلقي خطاباً للترويج لمؤسسته الخيرية “إنفيكتوس غيمز”، بينما كان نايجل فاراج يهاجم الصحافيين لتجرئهم على كشف شؤونه المالية. ومما أثار غضب فاراج خصوصاً أن الصحافيين ذهبوا إلى منزل ابنته، فيما كان جزء أساس من التغطية يدور حول ممتلكاته المتعددة ومصدر الأموال التي استُخدمت في شرائها.

لا يمكنك الجمع بين الأمر ونقيضه، وإذا كانت هناك عبارة تلخص نتيجة الحكم القانوني، فهي هذه. فما دام النشر قانونياً، فعليك أن تقبل ما يعجبك وما لا يعجبك. قد تحاول ضبط علاقتك بالصحافة عبر العلاقات العامة والتلاعب بالرواية، لكن من حق الصحافيين أن يسلطوا الضوء على ما لا تريد لهم أن يروه. فمجرد أنك لا تحب ما يُنشر لا يعني أنه لا يجوز نشره.

إذا كانت المعلومة غير صحيحة، فهذا تشهير. وإذا حُصل عليها بطريقة غير قانونية، فهذه جريمة. وهذان أمران مختلفان، فلا تحاول الخلط بينهما وبين كرهك للصحافة أو نفورك منها.

هذا أمر لم يستطع هاري وغيره من المدعين البارزين على مر السنين استيعابه. ما رأيناه في المحكمة كان عمق شعورهم بالأذى، وشفاهاً ترتجف ودموعاً تنهمر، لكن ذلك لم يكن دليلاً على صحة ما ادعوه، أي إن القصة التي أزعجتهم إلى ذلك الحد استندت إلى معلومات حُصل عليها بطريقة غير قانونية.

إنهم لا يمانعون أن تنشر “ديلي ميل” المواد اللطيفة عنهم حين يناسبهم ذلك، لكنهم يرفضون ما لا يروق لهم. بعض الصحف تتجنب الأخبار السلبية، لكن “ديلي ميل” ليست واحدة منها. هذا خيارها، وكما تؤكد هذه القضية، فإن الصحيفة حرة تماماً في أن تختار.

ويستحق صحافيوها الأفراد الثناء أيضاً. فهم لم يتهربوا من الدفاع عن قصصهم، ووافقوا على الخضوع لاستجواب مكثف تحت ضغط شديد. وإذا كان الأمر صعباً على المدعين، فلا شك في أنه كان صعباً على الصحافيين أيضاً، وهم يمرون باستجواب مرهق وقاسٍ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن من الخطأ القول إن هذه القضية تمثل انتصاراً كاملاً لـ”ديلي ميل”. فقد تركت الجلسات المطولة والأدلة التي عُرضت في المحكمة رائحة كريهة، ومع أن القاضي نيكلين حاول تبديدها بشيء من معطر الهواء، فإن بقاياها لا تزال عالقة.

فصحيفة “ديلي ميل”، التي تحب أن تقدم نفسها في كثير من القضايا بمظهر الورع والفضيلة، لم تتردد في الاستعانة بمحققين خاصين. وقد جرها ذلك إلى مساحات بعيدة كل البعد عن السلوك النظيف، ومتناقضة مع الصورة التي تعرضها على قرائها. كما أُنفقت أموال كثيرة ووقت طويل على التنقيب في موضوعات بدت بعيدة من صدارة المصلحة العامة. وقد تقول الصحيفة إنها تفعل ذلك أيضاً، وإن أرقام توزيعها ومشاهداتها تثبت أنها تعرف ما يريد جمهورها قراءته.

وبدا استخدام المحققين الخاصين أحياناً كأنه عودة إلى الوراء. وهذا ما كان عليه بالفعل، عودة إلى حقبة غابرة سبقت تحقيق ليفيسون عام 2012 والتسويات المتعلقة باختراق الهواتف.

ستواصل حملة “هاكد أوف” القول إن شيئاً كثيراً لم يتغير. لكن ذلك غير صحيح. فقد شكّل تحقيق ليفيسون وفضيحة اختراق الهواتف نقطة تحول في سلوك الصحافة البريطانية. وبوجه عام، مع أن حالات التجاوز ستظل موجودة كما في أي مهنة، فإن الصحافيين لم يعودوا يتصرفون بالسوء نفسه الذي كانوا عليه في الماضي. وهذا لا يعني أنهم سيحظون برضا كامل، لكن كما تؤكد هذه الدعوى، فإن عدم الرضا وحده لا يكفي.

وينبغي أن يضع هذا الحكم حداً لهذا النوع من الدعاوى القضائية. ولا شك في أن أي شخص يفكر في السير على خطى هاري ورفاقه، يجدر به أن يقرأ هذا الحكم أولاً، وأن يتأمل فاتورة التكاليف قبل أي شيء آخر.