في منطقتنا العربيّة، حيث تتولّى الحروب سلطة التحكّم بمصير شعبنا واستقراره وحتّى تفاصيل حياته اليوميّة وتفرض عليه الموت والدمار وعدم اليقين، يصبح السؤال عن جدوى الفنّ سؤالاً مشروعاً وملحّاً، خصوصاً الفنّ التشكيلي الذي يراهن كثرٌ على موته منذ أن أصبحت الصورة الفوتوغرافيّة سهلة الإنتاج عام 1888، فما حال هذا الرهان اليوم بعدما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تقدّم لنا الرسومات بكبسة زرّ؟ كيف يتمكّن الفنّان من الاستمرار في منطقة متصدّعة كمنطقتنا، ولماذا يستثمر وقته وطاقته في تشكيل لوحات يمكن توليدها خلال ثوانٍ بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي؟
الجدوى من الفنّ التشكيلي
إنّ السؤال عن جدوى الفنّ ليس وليد اليوم، فمنذ الحرب العالمية وحتّى النزاعات المعاصرة، وُجّهت إلى الفنّ تهمة الترف والانفصال عن الواقع، غير أنّه استمرّ في الظهور، رافضاً قبول الاتّهام بأنّ وظيفته تنتهي عندما تبدأ المأساة.
في حروب القرن الماضي، اكتسب الفنّ التشكيلي أحياناً وظيفة التوثيق، لكن اليوم ومع وجود الكاميرات الذكيّة بيد الجميع، لم يعد وسيلةً معتمدةً لذلك.
كيف يتمكّن الفنّان من الاستمرار في منطقة متصدّعة كمنطقتنا، ولماذا يستثمر وقته وطاقته في تشكيل لوحات يمكن توليدها خلال ثوانٍ بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي؟
في السابق، كان يُعتمد عليه من أجل التحريض ضدّ العدو أو دعم الروح المعنوية والوطنيّة، كما في حصار لينينغراد (1941-1944)، حيث أمرت السلطة جميع الرسامين بتكريس أعمالهم من أجل رفع الروح المعنويّة لدى سكّان المدينة المحاصرة.
لكن في ذاك الحصار، لم تكن الهواتف الذكيّة قد ابتُكرت بعد، ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي تتيح للجميع فرصة التحريض أو رفع المعنويّات بكبسة زرّ.
فما هي وظيفة الفنّ التشكيلي في حروبنا الحاليّة؟
في العالم العربي اليوم، يعيش الفنّانون واقعاً مريراً بعدما أصبحت الحرب جزءاً من حياتهم اليومية.
من فلسطين إلى السودان، ومن لبنان إلى سوريا واليمن، أصبحت الكارثة حالةً مستمرّةً.
وفي ظلّ الاستنزاف النفسي، يصبح الإبداع فعلاً شاقّاً أو مستحيلاً.
“أحياناً لا أتمكّن من الرسم، فأُدوّن أفكاري كي أرسمها في ما بعد”، تقول الفنانة الغزّاويّة آلاء الجعبري لرصيف22.
وتضيف: “رأينا في غزّة ما هو أمرّ من المرارة، لكنّي استمررت في الرسم الذي أصبح بالنسبة إليّ فعل أرشفة لتفاصيل حياتنا اليوميّة في ظلّ الحصار والمجاعة. في بداية الإبادة التي شُنّت على قطاع غزّة، لم أستوعب كلّ ما يحصل لنا، انقطعت عن الرسم لفترةٍ تقارب الأربعة أو الخمسة أشهر، ثم اعتبرت أنّه عليّ أرشفة كلّ ما يحدث لنا والاحتفاظ بهذا الأرشيف”.
وتتابع بالقول: “هو أرشيف لما يحدث، لكنّه، في الوقت عينه، يجتمع مع أحاسيسي وأفكاري الإنسانيّة التي منها تولد أعمالي الفنيّة”.
“رأينا في غزّة ما هو أمرّ من المرارة، لكنّي استمررت في الرسم الذي أصبح بالنسبة إليّ فعل أرشفة لتفاصيل حياتنا اليوميّة في ظلّ الحصار والمجاعة”
تتفق الفنانة اللبنانية منار علي حسن مع الجعبري في اعتبار الفنّ توثيقاً للتجربة الإنسانية.
تقول منار لرصيف22: “لا أعتبر أنّ الفنّ ترفٌ يأتي بعد حلّ الأزمات. وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أنّ معظم الأعمال الإنسانية المهمّة لم تولد في أوقات الاستقرار، بل في أزمنة الانهيار والحروب والخسارات. أنا لا أعمل لأنني مقتنعة بأنّ الفنّ سيغيّر العالم، أو سيوقف حرباً، أو سيحلّ أزمةً اقتصادية. ولو كان ذلك هو الشرط، لكنت قد توقّفت منذ زمن. أعمل لأنّ الفنّ بالنسبة إليّ وسيلة لفهم التجربة الإنسانية وتوثيقها”.
وتشدّد على أنّه في ظلّ كلّ ما يحدث، يصبح الاستمرار في الفعل الإبداعي نوعاً من المقاومة: “ليست مقاومةً بطوليةً أو رومانسيةً، بل مقاومة للنسيان، وللتسطيح، ولتحويل البشر إلى أرقام وإحصاءات. فالفنّ لا يمنع المأساة، لكنّه أحياناً يحفظ المعنى الإنساني في داخلها”.
أمّا بالنسبة إلى الفنّانة السوريّة زينب الأبرار زبيده، فالفنّ هو الشيء الوحيد الثابت في زمن الحروب، وفق ما تقول لرصيف22: “الاستمرار بإنتاج الفنّ بالنسبة إليّ ليس عبارة عن إلهام عابر أو خيار عاطفي، لأنّ الفنّ هو مهنتي التي أُمارسها بشكل يومي”.
وتضيف: “الواقع الذي نعيشه من أزمات وحروب وتغيّرات جغرافيّة هو واقع مُزرٍ، لكن الشيء الوحيد الذي يبقى ثابتاً بالنسبة إليّ هو اللوحة التي أرسم على سطحها”.
وتختم حديثها بالقول: “أظنّ أنّ جدوى الفنّ في ظلّ كلّ ما يحصل أنّه وثيقة حيّة للأفكار والمشاعر”.
ويرى الفنّان السوداني عدلان يوسف، المقيم حاليّاً في كينيا، أنّ “الفنّ ضرورة”، معتبراً أن السؤال عن جدوى الفنّ اليوم ليس سؤالاً نظرياً بل سؤال يعيشه يومياً: “في عالم مثقل بالحروب والفقد والضيق الاقتصادي، أرى أنّ الفنّ هو المساحة الأخيرة التي يستطيع فيها الإنسان أن يقول: (أنا هنا)، وأن يترك أثراً في مواجهة محاولات المحو والتهميش”.
ويضيف لرصيف22: “قد لا يكون الفنّ حلاً مباشراً للأزمات، لكنه فعل مقاومة للنسيان وللاعتياد على العنف، وللتطبيع مع القبح. أنا شخصياً، لا أصنع أعمالي لأجمّل الواقع، بل لأواجهه، ولأمنح الألم شكلاً يمكن النظر إليه، والتفكير فيه، وربما مشاركته مع الآخرين بدل أن يبقى دفيناً”.
ويشدّد على أنّ التوقّف بالنسبة إليه يعني الاستسلام، ويعني القبول بأن كلّ ما نعيشه بلا معنى: “الفنّ بالنسبة إليّ هو طريقة للبقاء إنساناً وسط الخراب، وطريقة لأقول إنّ ما حدث لنا مهم، وإنّ حياتنا وتجاربنا تستحقّ أن تُروى. طالما هناك قسوة تُمارَس، وطالما هناك بشر يُسحقون في صمت، سيبقى للفنّ جدوى”.
الفنّ “سرّ الوجود”
يتلخّص حديث الفنانين/ات باتفاقهم على أنّ جدوى الفنّ في زمننا المُربك تكمن في الحفاظ على التجربة الإنسانيّة.
بالنسبة إلى الكثير، لم تعد وظيفة الفنّ التشكيلي اليوم محصورة في إنتاج الجمال أو التوثيق الجامد أو التأثير، وأصبحت تمتدّ إلى شيء أكثر تواضعاً: الحفاظ على إنسانيتنا وسط عالم يتّجه إلى مزيد من الخراب.
الفنّان السوري بطرس المعرّي، الذي يمارس مهنة الفنّ منذ أكثر من ثلاثة عقود، يقول لرصيف22: “يمكن القول إنّ الحروب والأزمات الاقتصادية تعيق أو تحدّ من عمل الفنّان، إلّا أنّ الفنّان، بالمقابل، عندما يعمل، لا يمارس مهنةً فحسب ولا هوايةً في أوقات الفراغ. فالفنّ أداة للتعبير عن النفس والدفاع عن الوجود الإنساني، ومتنفّس كي يحقّق توازنه النفسي الذي تعبث به الحروب وتنهكه تلك الأزمات. هو ضرورة للفنان لا تقلّ أهمية عن الدواء للمريض”.
يضيف المعرّي، المقيم حاليّاً في هامبورغ: “في الحقيقة، لم تتوقف الحروب والكوارث عن الحدوث منذ فجر التاريخ، وكذلك لم يتوقف الإنسان عن الإبداع. هذا الإبداع لم يستمرّ بالطبع دون التعرّض إلى نكسات (على صعيد المجتمعات أو الأفراد) أو تحوّلات، لكنه في النهاية وجد طريقه، وأثبت الفنان (والمجتمع المتلقي) أن إيمانه بفنه راسخ”.
الفنّان مقابل الذكاء الاصطناعي
يبقى السؤال مطروحاً في ما يخصّ التطوّر الهائل لأدوات الذكاء الاصطناعي التي بإمكانها إنتاج صور لأفكار خياليّة في ثوانٍ معدودة.
الفنان ما زال مستمراً في الإنتاج، لكن هل ما زال قادراً على الاستمرار في بيع إنتاجه؟ لماذا تشتري الناس لوحةً من الفنان إذا كان بإمكانهم الطلب من الذكاء الاصطناعي توليد اللوحة التي يبغونها؟
سؤال قد يبدو منطقيّاً، لكنّه يقوم على الخلط بين العمل الفنّي بوصفه منتجاً والفنّ بوصفه تجربةً إنسانيةً.
إن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد صورة، لكنه غير قادر على اختبار الفقدان والحيرة والخوف، ولم يخض تجربةً وجوديةً. وقيمة الفنّ تكمن في العلاقة التي تربط العمل بصاحبه ومشاعره وأفكاره، وباللحظة التي أُنتج فيها.
في هذا السياق، يشير بطرس المعرّي إلى أنّ “التحدّي الأكبر للفنان التشكيلي أو الغرافيكي أو حتّى صنّاع الأفلام في وقتنا الراهن هو بالطبع الذكاء الاصطناعي الذي أتاح للأشخاص الذين لا يعرفون الرسم فرصة التعبير عن أفكارهم عبر توليد صور معيّنة. لكن ألم تكن الكاميرا الفوتوغرافية، التي اختُرعت في أوائل القرن التاسع عشر، تشكل تحدياً للرسامين؟ مع ذلك، تابع الفنانون التصوير (الزيتي)، ولم يقولوا إن الكاميرا تنتج صوراً أدقّ وأسرع، بل لم يعيروها اهتماماً”.
يضيف المعرّي: “كان جهدهم منصبّاً على التعبير عن أفكارهم وحساسيتهم تجاه الضوء والشكل، وفي دفاعهم عن قيم إنسانية ووقوفهم في وجه الحروب. ولم تشكّل آلة الفوتوغرافي الشهير “فيليكس نادار” خطراً على زملائه الانطباعيين وبالتالي لن تُشكّل الصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي تهديداً لعمل الفنّان المحترف، إنما ستقلقه وتدفعه إلى التحدّي أو الاستفادة من التقنيات الحديثة، لكن من سيستسلم هو صاحب الموهبة المتواضعة، وغير المؤمن بما يفعله”.
“الفنّ بالنسبة إليّ هو طريقة للبقاء إنساناً وسط الخراب، وطريقة لأقول إنّ ما حدث لنا مهم، وإنّ حياتنا وتجاربنا تستحقّ أن تُروى. طالما هناك قسوة تُمارَس، وطالما هناك بشر يُسحقون في صمت، سيبقى للفنّ جدوى”
ويتابع حديثه بالقول: “من يريد اقتناء عمل فنّي، لن يشتري لوحةً مولّدةً بواسطة الذكاء الاصطناعي، لأنّه يعلم أنّها ليست أصيلة، ولأنّ باستطاعته توليدها بنفسه على هاتفه. إذا أقام فنّان ذو تجربة وخبرة معرضاً، سيذهب محبّو الفنّ لمشاهدة معرضه، لكن من سيهتمّ بحضور معرض لصور مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي إلّا من باب المجاملات الاجتماعية أو الفضول؟ اللوحة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي هي لوحة بلا هويّة، ولا تشكّل تهديداً لوجود الفنّان. الشيء الوحيد الذي قد يقتل وجوده هو توقّفه عن محاولاته في التعبير عن أفكاره ومشاعره. وفي النهاية، لكلّ فنّ متذوّقوه وجمهوره”.
من القرن الماضي وحتّى اليوم، تغيّرت وظيفة الفنّ التشكيلي مع تغيّر الظروف، وربما اليوم، لم تعد جدواه متعلّقةً بالجماعة أكثر من تعلّقها بالفنان كفردٍ كائنٍ بين الجماعة.
بالنسبة إلى الكثير من الفنانين التشكيليين، الفنّ هو الشيء الوحيد الذي يحترفون صناعته، والاستمرار به في ظلّ الأزمات والحروب والتطوّر التكنولوجي. هو وسيلة للتأقلم والتعبير والدفاع عن وجودهم.
وفي النهاية، لا هروب من أنّ الفنّ هو وظيفة تشكّل للكثير من التشكيليين مصدر دخل أساسياً.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
