بكاه آهنكراني في مهرجان كان السينمائي، 17 مايو 2026 (كيت غرين/ Getty)
ما أفضل سبيل إلى فهم إيران؛ الدولة التي تظل لغزاً غامضاً من نواحٍ عدة، رغم حضورها اليومي في الأخبار أخيراً؟ تساؤل مطروح في تقديم مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي (الدورة الـ60، 3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) للوثائقي “تمارين على ثورة” (2026)، للإيرانية بكاه آهنكراني (قسم آفاق)، بعد فوزه بالعين الذهبية بالدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان كان. فيه تستعرض انعكاس 40 عاماً مضطرباً من تاريخ بلدها. وعبر قصص شخصية، تُقسمها إلى خمسة فصول، لأشخاصٍ أثّروا في حياتها (عائلتها وآخرون). تتقصّى نقاط التقاء تجمع ماضيها الشخصي بمحطات مفصلية في التاريخ الإيراني، بما فيه الثورة الإسلامية، والحرب الإيرانية العراقية، والاحتجاجات الشعبية، لا سيما حركة “امرأة، حياة، حرية”.
بحسّ فني مرهف، تنسج موادّ أرشيفيةً عدّة (صُور شخصية، أشرطة فيديو، قصاصات صحف، يوميات وذكريات) لتُظهر للعالم أن التاريخين الشخصي والجماعي لا ينفصلان.
“تمارين على ثورة” مؤثّر وجميل ومهمّ. كيف جاءتك هذه الفكرة الطموحة: استعادة 40 عاماً من تاريخ إيران؟ لِمَ قررت هذا الموضوع بالذات؟
قبل ست سنوات، حين كنت أعيش في إيران، راودتني فكرة كيف يمكنني النظر إلى 40 عاماً من تاريخ إيران، عبر الأرشيف؟ كان لديّ هيكل عام، مخطّط من خمس حلقات، كل حلقة عن شخص مختلف: فرد من العائلة، شخص آخر ضحية الديكتاتورية بشكل أو بآخر. هذه فكرة. لكن، عليّ أن أتدرّب أولاً. لذا، أنجزت فيلماً قصيراً عام 2021، “أحاول أن أتذكّر”، مبنياً بكامله على الأرشيف. وثائقي مدته 15 دقيقة، عن عمليات الإعدام بعد الثورة الإيرانية.
لديك ثلاثة أفلام وثائقية قبل هذا الأخير.
نعم. لكن “أحاول أن أتذكّر” الأول بهذا الأسلوب. عرضت عبره جزءاً من تاريخ إيران. نجح الفيلم كثيراً، فأدركت أني أستطيع التفكير في الشاشة الكبيرة.
هل عرضتِه في إيران؟
كلا. بسببه اضطُررت إلى مغادرة إيران. أنجزته فيها. عام 2022، دُعيت إلى مهرجان إدفا، فعرضته هناك. بعد المهرجان، أخبرتني أمي، وكانت لا تزال في إيران، أن السلطات استدعتها للتحقيق معها بخصوصي. قررتُ البقاء في الخارج لفترة. حين اندلعت حركة “امرأة، حياة، حرية”، شاركت في بعض الاحتجاجات خارج البلد، ولم أستطع العودة منذ ذلك الحين.
ألم تشاركي أيضاً في احتجاجات 2009 في إيران، ضمن الحركة الخضراء؟ هذا موجود في “تمارين على ثورة”.
بلى، شاركت فعلاً في الاحتجاجات التي تلت الانتخابات الرئاسية في إيران عام 2009. سيناريو فيلمي الأخير بدأته بعد مغادرتي إيران، بالتعاون مع أصدقاء كتّاب. لكل حلقة، عملتُ مع أحدهم. مثلاً: صديق عاش تجربة 2009 معي ساعدني في سيناريو الحلقة الرابعة. آخر في الحلقتين الأولى والثالثة. استغرق المونتاج وحده ثلاث سنوات.
تنظرين إلى تاريخ بلدك عبر قصص شخصية لأشخاص. هل اخترتِهم لأهمية تاريخهم بالنسبة إلى البلد، أم لارتباطك الشخصي بهم؟
في الواقع، السببان معاً. من جهة، لديّ ذكريات معهم، وهم مهمّون لي. السبب الآخر: لم أرغب في التركيز على التفاصيل السياسية والتاريخية لإيران، بل أردت سرد قصص أناس عاديين، عبرها أُظهر تاريخ إيران، وعبرهم أُظهر خمس مراحل مختلفة من تاريخ البلد، تشكّل نقاط تحوّل مفصلية. لكل مرحلة، عليّ العثور على شخص. بدأت أفكر بالشخصيات، وبكيفية اختيارها. اخترت من تربطني به صلة عاطفية، لأني أردت سرد القصة بطريقة حميمية وشخصية جداً. إذاً: الرابطة الشخصية والصلة بالتاريخ حدّدتا اختياراتي.
صنعت هذا الفيلم خارج إيران. كيف أثّرت عليك علاقتك بجذورك أثناء إنجازه؟
عندما بدأت أعيش في المنفى، كان الأمر غريباً. لم أخطط إطلاقاً للبقاء خارج إيران. احتجت إلى ما يربطني ببلدي، والفيلم حقّق ذلك. ساعدني كثيراً، فمن خلاله شعرت بأني لست خارجه، بل فيه. شعرت بأنه يمكنني فعل شيء من أجله. الوسيلة الوحيدة: الأرشيف، لأني لم أستطع الدخول والتصوير مباشرة هناك. أحببتُ أسلوب العمل بالأرشيف. بلدي يسكنني. أحاول دائماً إقناع نفسي بأن وضعي هذا مؤقّت، وسأعود قريباً، لكني لا أعرف متى. هذا الفيلم رابطة قوية جداً بيني وبين وطني.
خلال صنعه، هل شعرتِ بأن رؤيتك لبلدك تغيّرت، وأنتِ تنظرين إليه من الخارج؟
نعم. يمكن للمشاهد التقاط ذلك في الحلقة الخامسة تحديداً. في الحلقات الأربع الأولى، كنت أروي قصتي وأنا في البلد. لكن، في الحلقة الخامسة (التي ترويها من مكان إقامتها في لندن)، يمكن ملاحظة الفرق، فهناك مسافة واضحة بيني وبين بلدي. لست داخل الانتفاضة، بل أراقبها من الخارج، عبر شاشة مراقبة تفصلني عمّا يحدث. أظنّ أني استطعت إظهار تلك المسافة بوضوح.
لكن، هل غيّرت المسافة نظرتك، أعني مشاعرك تجاه بلدك؟ ربما بتِّ ترين الأمور بشكل مختلف، وعملك على الفيلم أوضحها لك.
سؤال صعب. في الواقع، نعم ولا. من ناحية، لا أزال أشعر بما يحدث في إيران. لكن، عندما أرى فيديوهات مرسلة من هناك، عن نساء لم يعدن يرتدين الحجاب بعد الآن، أشعر بأني لا أعرفهنّ، لأني لم أعِش تلك الأجواء. أشعر بأنهن من بلد آخر. يبدون غريبات بالنسبة إليّ. هذا غريب ومحزن في الوقت نفسه، لأني أفكر أحياناً في أني ربما لم أعد إحداهن. هناك نوع من حزن كامن في هذه الفكرة، لكنه صحيح.
هذا سؤالي: أيزعجك هذا الشعور؟
نعم، كثيراً. عندما حصلت انتفاضة يناير، شعرت بالذنب لأني لم أكن هناك، ولم يكن لديّ أخبار من أحد، بسبب انقطاع الإنترنت في إيران. حين تمكنت لاحقاً من الاتصال بأصدقائي، أدركت أنه لم يعد لدينا الكثير لنتحدث عنه. قلت لنفسي، لعلهم يفكرون: “بكاه ليست هنا، لا يمكنها أن تعيش هذه الأمور”. هنا، تتحول المحادثة إلى شيء رسمي وسطحي من نوع الاكتفاء: “نحن بخير الآن”. لا يمكننا التعمق أكثر. هذا محزن جداً، لكنه واقع فعلياً.
مع أنك خارج البلد منذ أربع سنوات فقط. هذه مدة قصيرة نسبياً.
صحيح. هذا ليس زمناً طويلاً. لكن، حدثت أشياء كثيرة فيه.
هل تعتقدين أن للأفلام، أو فيلمك تحديداً، دوراً سياسياً؟ هل يساعد فيلمك على فهم إيران، للأجانب وللإيرانيين أنفسهم؟
لا أعرف بالضبط. لكن، لدي هدفان: توجيه الفيلم إلى الإيرانيين في إيران، لأذكّرهم بأنهم ناضلوا كثيراً، ويجب أن يفتخروا بأنفسهم. وإلى الناس في العالم، الذين لا يرون إيران إلا عبر الأخبار، ولا يشعرون بقصص الأشخاص العاديين. أردت أن أروي تلك القصص لأن ذلك أكثر تأثيراً، ويمكن أن يكون له فعلاً دور سياسي. الناس في العالم يعرفون فقط أن هناك انتفاضة، وأن الحكومة قتلت آلاف الأشخاص. لكنهم لا يعرفون كيف أصبح شعب إيران على ما هو عليه اليوم، وكيف مرّ بـ40 عاماً من النضال، وليس هذه اللحظة فقط.
عندما ترين نساء بلا حجاب، تقولين: “لست واحدة منهن، لا أستطيع أن أفهمهن”. هل توضحين أكثر؟
بالنسبة إلى نساء إيران، هذا طبيعي الآن، لأنهنّ مررن بالعملية كلّها معاً. خرجن إلى الشارع. تلك الانتفاضة تقدمية جداً، من أجل حرية المرأة. لم أشهد تلك العملية، ولم أعشها. الأمر أشبه بأن يتوقف مشهد ويبدأ آخر مكانه، من دون أن أرى ما بينهما. أصبح غريباً لديّ أن أرى نساء إيران يمشين في شوارع، لديّ ذكريات كثيرة عنها، وهنّ بمظهر مختلف تماماً. هذا جديد بالنسبة إليّ. ومحزن لي وحدي، لأني لم أستطع عيش تلك التجربة الرائعة: أوّل مرة يحقّق فيها شعب إيران إنجازاً حقيقياً، عبر انتفاضة سلمية. خرجن بلا حجاب، وانتصرن. أنا لم أعش تلك اللحظة.
كيف أثّرت حركة “امرأة، حياة، حرية” على السينما الإيرانية؟ أرى تغييراً كبيراً، وأرغب في رأي فنانة مثلك.
إنها أكثر الحركات تقدمية في التاريخ الحديث لإيران. بعدها، تغيّر كل شيء: عقلية الشعب، وطبعاً السينما. صُنعت أفلام إيرانية “تحت الأرض” كثيرة، بلا حجاب، واضطرت الحكومة إلى تقبّل ذلك، لعدم وجود خيار آخر. أثّرت الحركة في كل شيء، وفي الجميع: الرجال والنساء والفنانون، والثقافة الإيرانية كلها.
تبدو السينما الإيرانية اليوم كأنها تشهد انفجاراً وتحرراً مشابهاً لما قبل الثورة الإسلامية، إذ انتقلت من الالتزام الصارم بالحجاب إلى مشاهد من دونه، وإلى تلامس واحتساء كحول ورقص.
هذا مذهل فعلاً. هذا التحول مفاجئ للغاية. لذا، قلت لك إني لا أستطيع أن أجد نفسي في هذا التغيير، لأنه سريع جداً. في مهرجان كان الأخير، شاهدت روائياً لصديق، مصُوّراً بإيران. كان التحوّل مفاجئاً جداً، لدرجة أني شعرت بالذعر أثناء العرض، إذ كنت أتوقع أن يأتي أحد ويعتقل فريق الفيلم، لأنهم رقصوا بلا حجاب، واحتسوا الكحول أمام الكاميرا. لم أستطع تخيّل كيف صُوّر هذا في إيران. لكنهم فعلوها، وهذا بفضل حركة “امرأة، حياة، حرية”، التي منحت الجميع الشجاعة.
هل تعتقدين أن هذا التحول بجعل السينما الإيرانية أقرب إلى أي سينما “عادية”، سيؤثر في انتشارها وتوزيعها بالخارج، خاصةً أن قيودها السابقة أحد أسباب جذبها الدولي؟
لا أعتقد ذلك. الشعب الإيراني لا يزال يعيش تحت الديكتاتورية، لكننا في بداية حقبة جديدة، أعتقد أن العالم سيجد فيها شيئاً جديداً ومثيراً للاهتمام. الإيرانيون قادرون على ذلك.
هل ستستمرين في الوثائقي، أم ستتجهين إلى الروائي في أعمالك المقبلة؟
سأستمر في صناعة الوثائقي. أفكر الآن في مشروع جديد. لا أريد التحدث كثيراً عن مشاريعي، لكني أريد الحفاظ على أسلوبي الخاص في العمل بالأرشيف، ووجهة النظر الشخصية تجاه التاريخ. ليس لأن أفلامي السابقة نجحت، بل لأني أؤمن بهذا النوع من السينما، وأحبه حقاً.
هل ستصنعينه بالخارج مجدداً، أم ستحاولين العودة إلى إيران، كما يفعل بعض الفنانين؟
لديّ طفل الآن. لا أريد المخاطرة بالعودة إلى إيران. لكني أريد أن أجد طريقة لكسر هذه المسافة في فيلمي الجديد: أن أصنعه في الخارج، لكن يُصوّره رجل آخر غيري في إيران، وأتولى أنا المونتاج من بُعد. أريد وضع هذه المسافة نفسها بصفتها أحد محاور الفيلم، وأُظهرها بوضوح، لأن أحد الأسئلة الأساسية في حياتي الآن: كيف أتجاوز هذه المسافة.
هل هناك مخرج إيراني من الجيل الأقدم أثّر فيكِ، أو تحبينه؟
عباس كيارستمي. لديه نوع من المرح واللعب في أفلامه. دائماً يسعى إلى خوض تجارب جديدة. لذا، أُعجبت به.
