ملحمة شعرية، تعد من أشهر الملاحم الإغريقية وأقدمها، تروي رحلة أوديسيوس، ملك إيثاكا وأحد أبرز القادة الإغريق، في عودته إلى مملكته بعد نهاية حرب طروادة.

وقد استغرقت تلك الرحلة، بحسب الملحمة، عشر سنوات واجه فيها أوديسيوس مخاطر وأهوالا امتزجت فيها التجربة الإنسانية بالأساطير، بما في ذلك تدخلات الآلهة وأعمال السحرة ومواجهة الكائنات الخرافية.

وتُنسب الملحمة إلى الشاعر اليوناني هوميروس، الذي يُرجح أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، وتتألف من أكثر من اثني عشر ألف بيت شعري، وتُعتبر امتدادا للإلياذة التي تنسب إلى الشاعر نفسه، وتتناول أحداثا من حرب طروادة.

وقد شكّلت الأوديسة أساسا للتعليم والثقافة في اليونان القديمة، وامتد تأثيرها إلى الأدب الأوروبي وأدب عصر النهضة، كما حافظت على حضور بارز في الثقافة العالمية من خلال ترجمتها إلى عشرات اللغات، ما جعلها مصدر إلهام للعديد من الأعمال الأدبية والفنية، بما في ذلك المسرح والسينما والتلفزيون.

وفي عام 2018، تصدرت الأوديسة قائمة أفضل 100 رواية تركت بصمة في العالم، وفق استطلاع أجرته هيئة بي بي سي كلتشر، بمشاركة خبراء من مختلف أنحاء العالم.

تمثال لهومر، شاعر الأوديسة homer poet الأوديسة, قصيدة ملحمية, هوميروس (بيكسابي)هوميروس شاعر الأوديسة (بيكسابي)هوميروس.. مؤلف الأوديسة

أحد أبرز شعراء الملاحم الشفهية في التراث الإغريقي، ويُنسب إليه تأليف ملحمتي الإلياذة والأوديسة، اللتين أسهمتا في ترسيخ الموروث الأسطوري والديني لليونان القديمة، وشكلتا ركيزة أساسية للأدب والتعليم والثقافة الإغريقية، قبل أن يمتد تأثيرهما إلى الأدب الأوروبي والعالمي.

ورغم المكانة الأدبية التي يحظى بها، فإن تفاصيل حياة هوميروس بقيت غامضة، إذ يرجح معظم الباحثين أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، في حين يبقى موطنه الأصلي محل خلاف. وتنسبه بعض التقاليد اليونانية القديمة إلى إقليم إيونيا التاريخي على الساحل الغربي لآسيا الصغرى (تركيا لاحقا)، ولا سيما إلى جزيرة خيوس أو مدينة سميرنا (إزمير)، بينما تشير روايات أخرى إلى مدن وجزر مثل إيوس وإيثاكا وسلاميس وأرغوس وأثينا.

كما أثارت شخصية هوميروس ومؤلفاته جدلا واسعا بين الباحثين على مر العصور. فبينما ذهب بعضهم إلى أنه كان كفيفا، وهو ما أكسبه لقب “الشاعر الكفيف”، شكك آخرون في وجوده التاريخي من الأساس، ورأوا أنه قد يكون شخصية رمزية نُسبت إليها الملاحم الإغريقية التي ظلت تتناقل شفويا لقرون، قبل أن تُدوَّن في قالب شعري في النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد.

Papyrus Fragment with Text from Homer's Odyssey, 1st century BC. Additional Info: This tiny papyrus fragment, broken on three sides, preserves a passage from the Odyssey by Homer. Believed to have been composed in the 700s BC, the Odyssey tells the story of the hero Odysseus's return from the Trojan War. This passage describes the moment when Odysseus frees his companions, who had been held under a spell by the sorceress-goddess Circe. Sheets of papyrus, made from the fibers of the papyrus plant that grew in Egypt, were the main writing material in the ancient world. From the form of the letters used in this text, scholars can date this papyrus copy of the Odyssey to the first century BC. Additional writing, possibly a commentary on a later section of the Odyssey, covers the back side of the fragment. Creator: Unknown. (Photo by Heritage Art/Heritage Images via Getty Images)جزء من بردية يحمل نصا من ملحمة الأوديسة لهوميروس (غيتي)الأوديسة

تُجسد الأوديسة أبرز خصائص الملاحم الشعرية الإغريقية، إذ تتناول موضوعات مثل العودة إلى الوطن، والبطولة، والدهاء، والوفاء، والصراع مع الموت، والروابط الإنسانية، إلى جانب تدخل الآلهة والعدالة الإلهية. وهي الملحمة اليونانية الوحيدة الباقية التي تروي رحلة أحد أبطال حرب طروادة في عودته إلى وطنه.

نُظمت الأوديسة باليونانية الأيونية مع احتفاظها بسمات اليونانية الإيولية، وترجح الدراسات اللغوية والتاريخية أن تأليفها يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. وتتألف من 24 كتابا تضم أكثر من اثني عشر ألف بيت شعري، كُتبت بالوزن السداسي الدكتيلي، وهو الوزن التقليدي للشعر الملحمي الإغريقي.

وتدور أحداث الملحمة حول أربعة محاور رئيسية، هي: رحلة أوديسيوس وعودته إلى إيثاكا وما واجهه أثناءها من أخطار، ومعاناة زوجته بينيلوبي في مواجهة الخُطّاب الذين سعوا إلى الاستيلاء على ملكه، ورحلة ابنه تليماخوس بحثا عن والده، ثم عودة أوديسيوس إلى وطنه واستعادة عرشه.

وتتناول الملحمة طيفا واسعا من التجارب الإنسانية، مبرزة دور الفرد في مواجهة المصاعب والتحديات من خلال مغامرات أسطورية ذات طابع درامي، وهو ما منحها بعدا إنسانيا، وأسهم في استمرار حضورها وتأثيرها.

كما تتميز الأوديسة ببناء فني متماسك، ولغة تجمع بين البساطة والرقة، وأسلوب متنوع يمزج بين اتساع البناء الملحمي ودقة التفاصيل، فاكتسبت ثراء فنيا عزز مكانتها الأدبية، وجعل من موضوعاتها وشخصياتها مصدر إلهام لعدد من أبرز الأدباء في العالم، من بينهم الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، والشاعر والروائي الإيرلندي جيمس جويس، والشاعرة والروائية الكندية مارغريت آتوود.

Odysseus' ships are destroyed by giant cannibals, the Laestrigonians. Scene from Homer 's Odyssey. Roman fresco circa 1st century BCE. (Photo by Culture Club/Getty Images)مشهد تدمير سفن أوديسيوس على يد عمالقة من آكلي لحوم البشر على جدارية رومانية تعود للقرن الأول قبل الميلاد (غيتي)بطل الأوديسة

يُعد أوديسيوس الشخصية المحورية في ملحمة الأوديسة، كما يمثل إحدى الشخصيات الرئيسية في الإلياذة، ويُصنف ضمن أكثر الشخصيات حضورا في الأساطير الإغريقية، إذ امتد ظهوره إلى المسرح الإغريقي خصوصا في أعمال إسخيلوس وسوفوكليس ويوريبيدس، إضافة إلى مؤلفات العصر الهلنستي.

ويُعرف أوديسيوس بأنه ملك إيثاكا وأحد أبرز القادة اليونانيين الذين شاركوا في حرب طروادة. وقد اتسمت شخصيته بالتعقيد، فبينما يبدو أحيانا حكيما ونبيلا، تُظهر أفعاله في مواقف أخرى القسوة والعنف.

وتقوم بطولته على الذكاء الحاد والشجاعة، ويُعتبر الفاتح الحقيقي لطروادة، إذ تُنسب إليه في الأساطير فكرة حصان طروادة، التي مكّنت الإغريق من دخول المدينة بعد عشر سنوات من الحصار.

ووفق الرواية الأسطورية، صمّم الإغريق حصانا خشبيا ضخما أخفوا داخله مجموعة من المحاربين، من بينهم أوديسيوس، ثم تركوا الحصان خارج أسوار طروادة، فأدخله الطرواديون إلى المدينة. وفي الليل تسلل المحاربون، وفتحوا الأبواب أمام الجيش الإغريقي، ما أدى إلى سقوط طروادة.

Terracotta plaque, Classical, ca 450 BC, Greek, Melian, Terracotta, Overall: 7 3/4 x 7 5/16 in (197 x 186 cm), Terracottas, Eurykleia washing Odysseus's feet One of the dramatic threads in the account of Odysseus's return to Ithaka is the gradual revelation of his identity Here, Odysseus appears seated before a columned facade that represents his palace. (Photo by: Sepia Times/Universal Images Group via Getty Images)نحت ليوريكليا، الخادمة المخلصة لأوديسيوس، تغسل قدميه بعد عودته متخفيا إلى إيثاكا (غيتي)الرحلة الأسطورية ومواجهة الأخطار

تمثل رحلة أوديسيوس الأسطورية في عودته إلى إيثاكا المحور الرئيسي للأوديسة، وقد ركز السرد على أحداث الأسابيع الستة الأخيرة من الرحلة، مع استخدام أسلوب الاسترجاع لرواية أحداث سابقة.

وتعرض الأوديسة المغامرات التي خاضها أوديسيوس ورفاقه، والمخاطر والتحديات التي اجتازوها في سرد ملحمي يمتزج فيه الواقع بالأسطورة. فتروي كيف واجه أوديسيوس بوليفيموس، العملاق ذا العين الواحدة، وتمكن من التغلب عليه بعد أن أسكره وغرز وتدا في عينه فأعماه، ما أثار غضب والده بوسيدون، إله البحر، الذي لاحق أوديسيوس بالعواصف والأمواج العاتية وأعاق عودته إلى إيثاكا.

ولكن إيولوس، إله الرياح، منحه كيسا حبس فيه الرياح المعاكسة، وأطلق الريح التي حملته تجاه بلاده. ولما أوشك على الوصول، فتح رفاقه الكيس، ظنا منهم أنه يحوي ذهبا، فانطلقت الرياح المعاكسة وأعادت السفينة إلى عرض البحر.

وتستمر الملحمة في سرد مغامرة جديدة، إذ تمكن أوديسيوس من النجاة من اللستريغونيين، آكلي لحوم البشر، بعد أن خسر معظم سفنه ورفاقه، فحط على جزيرة إيايا، حيث تقطن الإلهة الساحرة كيركي، فاضطر إلى إنقاذ رفاقه الذين حولتهم إلى خنازير.

ومع ذلك، مكث في الجزيرة عاما كاملا بصحبتها، وبناء على إرشاداتها، زار العالم السفلي حيث التقى بأرواح الموتى، ومن بينهم النبي تيريسياس الذي قدم له النصح، وأجاممنون الذي حذره من المخاطر التي تنتظره في الوطن.

رسم يوضح أوديسيوس والسيريناترسم يوضح أوديسيوس والسيرينات (معرض فيكتوريا الوطني- ملبورن)

وبفضل نصائح كيركي، تمكن من اجتياز السيرينات، وهي كائنات أسطورية تغوي البحارة وتستدرجهم إلى الهلاك، ثم نجا من سكيلا، الوحش ذي الرؤوس الستة، ومن كاريبديس، الدوامة البحرية التي تبتلع السفن.

وعلى الرغم من تحذيرات تيريسياس وكيركي، أكل رفاق أوديسيوس، أثناء نومه، بعض أبقار إله الشمس، هيليوس، فأرسل الإله زيوس عاصفة أغرقت سفينتهم، ولم ينجُ منهم سوى أوديسيوس.

التجأ أوديسيوس بعد نجاته إلى جزيرة أوجيجيا، حيث أسرته الحورية كاليبسو سبع سنوات قبل أن تطلق سراحه امتثالا لأمر زيوس، فأبحر على سفينة تحطمت عند جزيرة شيريا، موطن الفايقيين، الذين استضافوه وزودوه بسفينة أعادته إلى إيثاكا.

Achilles is recognized by Odysseus on Skyros among the daughters of Lycomedes, around 1800, drawing, pencil, pen, brush, brown ink, according to Cahier: 46 x 67.6 cm. (Photo by: Sepia Times/Universal Images Group via Getty Images)أوديسيوس يكتشف هوية أخيل المتنكر بين بنات ليكوميديس في جزيرة سكيروس في رسم يرجع لحوالي عام 1800 (غيتي)إيثاكا.. نهاية الرحلة

تروي الأوديسة أن أوديسيوس عاد إلى إيثاكا بعد غياب استمر عشرين عاما، وبإرشاد من الإلهة أثينا، دخل مملكته متخفيا، فوجد قصره قد استولى عليه أكثر من مئة رجل، قدموا لخطبة زوجته، طمعا في الحصول على عرشه، بعد أن ظن كثيرون أنه لقي حتفه.

فوضع أوديسيوس خطة لاستعادة عرشه بمساندة ابنه تليماخوس وخدمه المخلصين، فأغلق على الخُطّاب في إحدى قاعات القصر، ثم كشف عن نفسه وقتلهم جميعا، ما أدى إلى اندلاع مواجهة مع عائلاتهم، لكن الآلهة سرعان ما وضعت حدا للنزاع وأعادت السلام إلى إيثاكا.

لوحة تصور أوديسيوس بعد عودته إلى قصرهلوحة تصور أوديسيوس بعد عودته إلى قصره (الصحافة الأمريكية)

ورغم أن أوديسيوس مثّل المحور الرئيسي للملحمة، فقد عرضت الأوديسة صورة واسعة للحياة في المجتمع الإغريقي في تلك الحقبة، ولا سيما في إيثاكا، فكشفت عن جوانب من واقع الحياة وأفكار اليونانيين حول أنفسهم والعالم من حولهم، وأبرزت القيم الاجتماعية والمعتقدات الدينية والمثل الثقافية لليونان القديمة.

إضافة إلى ذلك، أبرزت شخصيات أخرى مؤثرة، من بينها زوجته بينيلوبي التي صمدت أمام ضغوط الخاطبين، واستخدمت الحيلة لمماطلتهم وفاء لزوجها، وابنه تليماخوس الذي ساعده على الانتقام من أعدائه، والإلهة أثينا التي ساعدته أثناء رحلته وحتى استعادة عرشه.