13 عاما أمضاها فضل شاكر متواريا داخل مخيم عين الحلوة قبل أن يستعيد حريته. لم يندم أبدا على ما جرى، واليوم يتطلع إلى “ميلاد ثان” في بلد آخر، ويخطط لأعمال فنية تعيده إلى ساحة غنائية غاب عنها طويلا.

أُسدل الستار أخيرا على سنوات قاسية عاشها المطرب اللبناني الشهير، وأخلي سبيله في الثامن من يوليو الجاري بقرار قضائي، بعد 9 أشهر من تسليمه نفسه إلى مخابرات الجيش اللبناني.

مع استعادة حريته، تكشفت خطواته التالية: جدد جواز سفره بعدما رفع منع السفر عنه، واستكمل سريعا إجراءات انتقاله إلى قطر، حيث يُتوقع أن يستقر بصورة دائمة.

وصل شاكر إلى الدوحة، وفق ما يرجح الناقد الفني جمال فياض، دون هاتف وبلا رفيق من عائلته، وهناك يلتقي ابنته وزوجها القادمين من إسطنبول، ونجله محمد، وأقارب آخرين يقيمون بالعاصمة القطرية.

كما سيتعين على شاكر، 57 عاما، التوجه إلى المستشفى لبدء برنامج علاجي متخصص لمرض السكري.

وكان شاكر، وفق فياض، قد انتقل فور إخلاء سبيله إلى شقة في منطقة اليرزة، بقضاء بعبدا، حيث تولى فريق أمني تابع للسفارة القطرية تأمين حمايته، وهناك “لم يستخدم هاتفاً طوال فترة إقامته، وبقي تواصله محدوداً حتى مع أفراد عائلته”.

منعطف عبرا

لسنوات طويلة ظل فضل شمندر، المعروف فنياً باسم فضل شاكر، أحد أبرز نجوم الغناء العربي، وهي مكانة اكتسبها بعد تقديم أعمال حققت نجاحا واسعا ورسخت مكانته بين أهم الأصوات في المنطقة.

لكن مسيرته اتخذت منعطفاً حاداً عام 2012، حين أعلن اعتزال الفن، بالتزامن مع تأييده الثورة السورية واعتراضه على مشاركة حزب الله في الحرب، قبل أن يظهر إلى جانب الشيخ أحمد الأسير، الذي قاد عام 2013 مواجهات مسلحة ضد الجيش اللبناني في منطقة عبرا جنوبي لبنان.

أدخلت مواجهات عبرا، التي أسفرت عن مقتل 18 عسكرياً و11 مسلحاً، شاكر في أزمة قضائية معقدة، وبقي من وقتها ينفي بإصرار مشاركته في القتال.

وقتها، لجأ إلى مخيم عين الحلوة، حيث أمضى سنوات مستفيداً من الوضع الأمني الخاص للمخيمات الفلسطينية التي لا تدخلها القوى العسكرية اللبنانية.

يعتقد كثيرون أن شاكر من أصول فلسطينية، لكن معلومات حصلت عليها “الحرة” تثبت أنه مولود لأب لبناني وأم فلسطينية، كما تظهر أوراقه الرسمية أنه مسجل في نفوس حارة حريك في قضاء بعبدا.

خلال سنوات المحنة، واجه شاكر 4 قضايا رئيسية، شملت اتهامات بتمويل مجموعة الأسير، والمشاركة في تكوين مجموعة بقصد الإخلال بالأمن وهيبة الدولة، وحيازة أسلحة عسكرية دون ترخيص، إضافة إلى قضية تتعلق بتصريحات أدلى بها، اعتُبرت مسيئة للمؤسسة العسكرية.

في الثامن من يوليو الجاري، وافقت المحكمة العسكرية، على إخلاء سبيل شاكر في القضايا الأربع، وأبرزها ملف عبرا، بعدما أظهرت إفادات 3 ضباط كبار أنه لم يحمل السلاح ولم يشارك في الاشتباكات.

بعد ذلك أحيل القرار إلى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الذي وافق على إخلاء سبيله في 3 قضايا، فيما لا يزال ملف عبرا قيد الدراسة.

سنوات في الظل

في عين الحلوة عاش فضل شاكر داخل دائرة ضيقة، وحسب مصدر رافقه خلال تلك السنوات، لم يكن باب منزله يُفتح إلا لعدد محدود من الزوار وبعد تنسيق مسبق، واقتصر تواصله مع العالم الخارجي على نطاق محدود. ورغم ذلك، بقيت صورته بين سكان المخيم ترتبط، بـ”الكرم وحسن المعاملة”.

المصدر ذاته نفى في تصريحات لـ”الحرة” ما تردد عن تعرض شاكر لضغوط أو مواجهات دفعته إلى تسليم نفسه، وإنما “سلم نفسه بإرادته، وبعدما رتّب أموره”.

رغم اختفائه عن الحياة العامة، لم يبتعد شاكر عن الغناء، وفي عام 2018 أعلن تراجعه عن الاعتزال، وعاد بأداء مقدمة مسلسل “لدينا أقوال أخرى”، قبل إطلاق أغنيات أخرى عبر المنصات الرقمية، حققت ملايين المشاهدات.

مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أصدر شاكر أغنية “الشام فتح”. وبعد إخلاء سبيله، تلقى دعوة رسمية لزيارة دمشق من وزارة الثقافة السورية التي أعلنت أنها تعتزم تكريمه.

“لم يندم شاكر يوماً على وقوفه إلى جانب المظلومين في سوريا، رغم الثمن الكبير الذي دفعه، وظل متمسكاً بأن الاتهامات المرتبطة بأحداث عبرا مفبركة”، يقول رفيقه المقرب.

أما شاكر نفسه فقد أصدر بيانا في أبريل 205 قال فيه إنه تعرض لـ”الظلم” وأن الملاحقات التي طالته كانت “تصفية حسابات سياسية”.

عودة فنية

على الصعيد الفني، انتهى شاكر من تسجيل 6 أغنيات جديدة ستُطرح تباعاً ضمن خطة لاستعادة حضوره على الساحة، كما يجري التحضير لإحياء حفل في الرياض خلال سبتمبر المقبل.

ويرى الناقد الفني أندريه داغر أنه لا خلاف على أن فضل يملك إحساساً فنياً وصوتاً يحبه الناس، وهو رصيد لم ينفد.

لكنه يستبعد أن يستعيد شاكر الزخم الجماهيري نفسه، مضيفا: “لديه جمهوره، لكنني لا أعتقد أن عودته ستكون بالوهج الذي كان سابقاً، وإن كان من الممكن أن تثبت الأيام عكس ذلك”.

أما عودة شاكر إلى إحياء الحفلات في لبنان فتبقى موضع انقسام، ويمكن أن “تشهد اعتراضات من قبل أهالي العسكريين الذين قُتلوا في أحداث عبرا”، بحسب الناقد الفني.