القاهرة ــ «القدس العربي» : لم يكن هاني شنودة (1943 ــ 2026) مجرد ملحن أو مؤلف موسيقي، بل أحد أبرز الذين أعادوا تعريف الموسيقى المصرية الحديثة. فعلى امتداد أكثر من نصف قرن، لم ينشغل بتطوير الأغنية من داخل قوالبها التقليدية فحسب، وإنما سعى إلى بناء لغة موسيقية جديدة، تستفيد من تقنيات الموسيقى الغربية دون أن تتخلى عن روحها المصرية، فكانت تجربته واحدة من أهم محاولات تحديث الأغنية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
درس شنودة الموسيقى الغربية وأتقنها، لكنه لم يتعامل معها بوصفها نموذجا ينبغي نسخه، بل باعتبارها أدوات يمكن تطويعها لإنتاج موسيقى تنتمي إلى البيئة المصرية. لذلك جاءت ألحانه بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الإحكام في بنائها، قريبة من الإنسان العادي، ومن إيقاع المدينة، ومن تفاصيل الحياة اليومية، بعيدا عن المبالغة في التطريب أو الاستعراض الصوتي.
ولعل أهم ما أنجزه أنه أسهم في تأسيس ما يمكن تسميته بـ»البوب المصري»، لا باعتباره استنساخا للموسيقى الغربية، وإنما بوصفه مشروعا موسيقيا جديدا، يحتفظ بملامح الشخصية المصرية، ويقدمها في قالب حديث استطاع الوصول إلى أجيال متعاقبة.
ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة من دون التوقف عند فرقة المصريين، التي شكلت واحدة من أكثر الظواهر الموسيقية تأثيرا في مصر. فمن خلالها، لم تعد الأغنية تتحدث بلغة الشاعر وحده، بل بلغة الشارع أيضا، ولم تعد الموسيقى مجرد خلفية للطرب، بل أصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما جعل أغانيها تعيش حتى اليوم.
كما كان لشنودة دور بارز في البدايات الفنية لكل من محمد منير وعمرو دياب، وأسهم في تقديم صورة جديدة للأغنية الشعبية من خلال تعاونه مع أحمد عدوية، قبل أن يخوض تجربة موازية في الموسيقى التصويرية، التي تحولت على يديه إلى عنصر درامي مستقل، لا يقل أهمية عن الصورة أو الحوار.
في السطور التالية، نتوقف عند أبرز محطات هذه التجربة، التي لم تغير شكل الأغنية المصرية فحسب، بل غيرت أيضا طريقة الاستماع إليها.
الموالد والأديرة
ولد هاني شنودة في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، في قلب دلتا النيل. وبحكم وجود ضريح السيد البدوي في المدينة، كانت الموالد والاحتفالات الدينية تقام بصورة سنوية، فوجد الطفل نفسه بين موسيقى الكنيسة، وموسيقى الموالد الشعبية، وحلقات الذكر، لتتشكل ذائقته الموسيقية من هذا التنوع الفريد، الذي منح تجربته خصوصية لم تتوفر لكثير من الموسيقيين.
وفي الوقت نفسه، تأثر بالموسيقى الغربية التي درسها في كلية التربية الموسيقية، وتخرج فيها عام 1966، قبل أن يلتحق بالكونسرفتوار لاستكمال دراسته وتعميق معارفه الموسيقية.
فرقة المصريين
تبقى تجربة تأسيس فرقة المصريين أبرز محطات هاني شنودة، إذ استطاعت الفرقة أن تلامس وجدان الجمهور، سواء عبر موسيقاها الحديثة أو موضوعات أغانيها التي انشغلت بالحياة اليومية للناس ومشكلاتهم.
ومن أشهر أعمالها أغنيتا «ماشية السنيورة» و»ما تحسبوش يا بنات».
ويروي شنودة قصة تأسيس الفرقة قائلا:
«تعود فكرة تأسيس الفرقة إلى نجيب محفوظ. حضر إلينا ذات يوم، وكان يعمل وقتها في الصحافة، وسألني عن الموسيقى التي نقدمها، وكنا نعزف أغاني إيطالية وإسبانية وفرنسية، فقال: لماذا لا تقدمون هذه النوعية بالعربية؟ قلنا له إن العربي لا يعجبنا. فسأل: من أي ناحية؟ فقلت له: المقدمات طويلة، والأغنية تفتقر إلى البناء الهارموني، وفيها إعادات وزيادات».
لكن محفوظ رأى أن ما يقدمه شنودة وفرقته يظل محدود التأثير، لأنه يخاطب شريحة ضيقة، كما أنهم لم ينجحوا بعد في تحويل معرفتهم الموسيقية إلى مشروع مصري متكامل.
كان لهذا الرأي أثر كبير في التفكير بتأسيس فرقة مصرية حديثة توظف القوالب الغربية بروح مصرية، وتعبر عن الناس واهتماماتهم. وهكذا ولدت فرقة المصريين في 8 ديسمبر 1977، وهو العام نفسه الذي رحل فيه عبد الحليم حافظ، بعدما شاركه شنودة العزف في آخر حفلاته.
البوب المصري
استمرت الفرقة أحد عشر عاما، وأصدرت ألبوماتها: «بحبك.. لا» (1978)، «حرية» (1979)، «بنات كتير» (1980)، «ابدأ من جديد» (1981)، «ماشية السنيورة» (1985)، وأخيرا «حظ العدالة» (1988).
ورغم تنوع موسيقى هذه الأعمال بين الجاز والروك وأنماط أخرى، فإنها ظلت مصرية الروح، قريبة من الحس الشعبي، وهو ما منحها انتشارا واسعا. وللمرة الأولى تقريبا، أصبح الناس يرددون أغنيات فرقة كاملة، لا أغنيات مطرب أو مطربة فقط، وهو تحول مهم في الثقافة الغنائية المصرية.
الموسيقى البحتة
لم يقتصر إبداع هاني شنودة على الألحان والتوزيع الموسيقي، بل كان من أوائل من منح التوزيع مكانته الحقيقية، بوصفه عنصرا أساسيا في بناء اللحن وأداء المغني، لا مجرد إضافة تجميلية.
كما ألف عددا من المقطوعات الموسيقية في قالب اللونجا، وأطلق عليها أسماء سنوات تأليفها، مثل لونجا 79 ولونجا 85.
وبرع كذلك في الموسيقى التصويرية، التي تحولت لدى كثير من المصريين إلى ألحان تحفظ وتردد، رغم أنها خالية من الكلمات، وهو أمر غير معتاد في الثقافة الموسيقية العربية.
ومن أبرز الأفلام التي وضع موسيقاها: ولا عزاء للسيدات، المشبوه، شمس الزناتي، الحريف، الغول، المولد، وغريب في بيتي.
في المشبوه مثلا، صنعت الموسيقى حالة من الغموض والتوتر، بينما جسدت في الحريف صراعا داخليا ممزوجا بإيقاع الشارع وضجيج المدينة. أما في غريب في بيتي، فاستخدم آلة موسيقية تعبر عن البيئة الريفية للبطل، ودمجها بآلات أخرى تجسد المفارقة الكوميدية بين الريف والمدينة.
بهذا المعنى، لم تعد الموسيقى التصويرية مجرد خلفية تملأ لحظات الصمت، بل أصبحت عنصرا دراميا يشرح الشخصية، ويعبر عن هوية المكان، ويكشف طبيعة الصراع داخل الفيلم.
ويمكن القول إن موسيقى هاني شنودة السينمائية قامت على ثلاثة عناصر رئيسة: البطل، والمكان، والصراع الدرامي، وهو ما يظهر بوضوح في الثيمات الموسيقية وتحولاتها داخل الفيلم.
هذه مجرد لمحات من تجربة فنية تستحق دراسات متخصصة، ليس فقط من منظور الموسيقى، بل أيضا من زاوية التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها مصر. فقد اجتهد هاني شنودة في تأسيس شكل جديد للموسيقى المصرية، أضفى عليها روحا معاصرة، وما زال أثره حاضرا حتى اليوم، وسيظل ممتدا لسنوات طويلة.
رحم الله هاني شنودة، الذي ترك وراءه تجربة فنية صادقة، أسعدت الناس، وغيرت وجه الموسيقى المصرية الحديثة.
