Published On 30/7/202630/7/2026
|
آخر تحديث: 19:36 (توقيت مكة)آخر تحديث: 19:36 (توقيت مكة)
انطلقت في مونتريال فعاليات سوق “فرونتيرز” للإنتاج المشترك (Frontières)، وهي المنصة الصناعية التابعة لمهرجان فانتازيا الدولي، أحد أبرز مهرجانات سينما الأنواع في أمريكا الشمالية. ويركز على أفلام الرعب، الخيال العلمي، الإثارة، والفنون القتالية في أمريكا الشمالية، ويُقام سنويا في يوليو/تموز محتضنا منصات صناعية عالمية لدعم مشاريع الأفلام في مرحلة التمويل.
وكشف المهرجان عن الملامح الأولى للمشروع السينمائي الوثائقي المرتقب “السقوط” (The Fall)، والذي يقوده المخرج السويسري-الأمريكي ألكسندر أ. فيليب، لخوض رحلة سينمائية حول مشهد النهاية الأيقوني في فيلم رائد سينما التشويق ألفريد هيتشكوك “دوار” (Vertigo) الصادر عام 1958.
اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
ويستقطب العمل الوثائقي المكون من جزأين نخبة من كبار صناع السينما بصفتهم “شهود” في هذا التحقيق السينمائي؛ وفي مقدمتهم المخرج المكسيكي الحائز على الأوسكار غييرمو ديل تورو، مخرج فيلم “شكل الماء” (The Shape of Water)، والممثلة كيم نوفاك بطلة الفيلم الأصلي، والمخرج أري أستر، رائد سينما الرعب النفسي المعاصرة وصاحب فيلمَي “وراثي” (Hereditary) و “ميدسومر” (Midsommar).
شهادات عن مشهد
يعود كل من غييرمو ديل تورو وأري أستر لتأمل إحدى أكثر نهايات السينما غموضا، ويبني المخرج ألكسندر فيليب عمله على نسق “الفيلم النوار” (Film-noir) وهو نمط سينمائي نشأ في الأربعينيات يتسم بالغموض، والجريمة، والإضاءة الخافتة الحادة ذات الظلال الثقيلة، والتحقيقات النفسية المعقدة.
المخرج غييل ديل تورور (آي ام دي بي)
ويتتبع الفيلم تفاصيل المشهد الختامي لـ “دوار”؛ حيث تهوى شخصية “جودي” من أعلى برج الكنيسة الأثرية دون أن تكشف الكاميرا كيفية سقوطها، مكتفية بـ 57 إطارا سينمائيا (Frames) والإطار هو الوحدة البنائية الصغرى للفيلم السينمائي؛ إذ يتكون كل شريط سينمائي تقليدي من 24 إطارا في الثانية الواحدة، مما يعني أن هيتشكوك اقتطع الحدث في أقل من ثانيتين ونصف، ترصد وجه البطل “سكوتي” (جيمس ستيوارت) وهو يتابع السقوط بذهول ومأساوية.
وفي حواره مع مجلة “فارايتي” (Variety) المتخصصة في صناعة السينما، أوضح فيليب أن الهدف ليس تقديم حل حاسم أو تفسير مادي للغز النهاية، بل “فهم اللغز نفسه”؛ إذ تطرح كل شخصية من ضيوف الفيلم رؤيتها الخاصة للحقيقة، لتتحول كل شهادة إلى مرآة تكشف جانبا ذاتيا وإنسانيا من صاحبها.
وأكد فيليب: “إنها الذروة لكل ما طاردته على مدى عشرين عاما، وهذا الفيلم هو العمل الذي وُلدتُ لأصنعه”. وأوضحت المنتجة تيري بينيون أن المشروع يُبنى كحدث سينمائي مزدوج العرض، لتتوج أجزاؤه احتفاليات الذكرى السبعين لصدور فيلم “دوار” عام 2028، مشيرة إلى أن الاهتمام المبكر من المهرجانات الكبرى والبيع المسبق لشبكة “سينيه+” الفرنسية يعطي العمل دفقا استثنائيا.
ألكسندر فيليب.. تشريح اللحظة السينمائية
ويأتي تأمل نهاية فيلم “دوار” كامتداد لمنهج سينمائي مكرس أثبته ألكسندر فيليب عبر أرشيف حافل بالتشريح البصري؛ إذ أصبح يمثل القوة الضاربة في صناعة الوثائقيات التي تفكك الثقافة الشعبية ولحظات الذروة في تاريخ السينما.
قَدّم فيليب عام 2017 وثائقي 78/52 الذي أفرد فيه 91 دقيقة كاملة لتفكيك المشهد الشهير لجريمة القتل في الحمام في فيلم “سيكو” (Psycho) لهيتشكوك.
المخرج ألكسندر فيليب يتبنى منهج تشريح اللحظات المفصلية في الأفلام (أسوشيتد برس)
وخاض في أعماق سينما الرعب والغموض عبر وثائقي “الذاكرة: جذور فيلم أليان” 2019 (Memory: The Origins of Alien) لتشريح مشهد “خروج الكائن” من الصدر، ووثائقي “قفزة إيمان” 2020 (Leap of Faith) عن فيلم “طارد الأرواح الشريرة” (The Exorcist)، مروراً بوثائقي (Lynch/Oz) 2022، و “التفاعلات المتسلسلة” (Chain Reactions) الذي نال عنه جائزة كلاسيكيات فينيسيا لأفضل وثائقي سينمائي في مهرجان فينيسيا 2024 لدراسته أثر فيلم “مجزر منشار تكساس” (The Texas Chain Saw Massacre).
وقد نشر موقع مهرجان كارلوفي فاري (KVIFF) تفاصيل لقاء مع فيليب كشف فيه أنه عمل لسنوات بهوس شديد على فيلم “دوار”، وسجل حوارات مع بطلته كيم نوفاك البالغ من العمر 93 عاما، مشيرا بأسلوبه الناقد إلى أن الفيلم الجديد سيتضمن استحضارا رمزيا لروح هيتشكوك نفسه.
“دوار”.. نهاية سببت دوارا نقديا
تكتسب هذه المحاولة أهميتها النقدية من ثقل الفيلم الذي تطارده؛ ففي عام 1958، أطلق ألفريد هيتشكوك فيلمه “دوار” (Vertigo) من بطولة جيمس ستيوارت وكيم نوفاك، مستخدما لأول مرة تقنية دولي زووم (Dolly Zoom) وهي حركة كاميرا مركبة يُحرك فيها المصور الكاميرا إلى الخلف بينما يتقدم بالعدسة إلى الأمام في الوقت نفسه، مما يخلق إحساسا بصريا مدهشا باتساع الخلفية وانضغاط المكان للتحكم في تجسيد “الدوار” ورهاب المرتفعات لدى البطل.
الممثلة الأمريكية كيم نوفاك بطلة فيلم “دوار” (آي ام دي بي)
تدور قصة الفيلم حول “سكوتي”، المحقق المتقاعد الذي يعاني من رهاب المرتفعات، والذي يُكلف بمراقبة “مادلين”، زوجة صديق قديم تبدو مسكونة بروح امرأة ميتة. يقع سكوتي في حبها، لكنه يقف عاجزا فوق برج الكنيسة بسبب دواره بينما تقفز مادلين للموت. ينهار سكوتي نفسيا، ليتقاطع لاحقا مع فتاة تدعى “جودي” تشبه حبيبته الراحلة، فيبدأ بهوس مرضـي بإعادة تشكيلها ملبسا وشعرا ولغة جسد لتبدو كـ “مادلين”، قبل أن يكتشف أنه خُدع وأن “جودي” هي نفسها “مادلين”، وأن سقوطها الأول لم يكن إلا تمثيلية لجريمة قتل مدبرة. وفي لحظة المواجهة على البرج مجددا، تسقط جودي سقطتها الحقيقية الغامضة.
عند عرضه الأول، استقبل النُّقاد والشباك الفيلم ببرود شديد، واعتبره نُقاد الخمسينيات قصة معقدة ومبتذلة، إلا أن العقود التالية شهدت تحولا نقديا هائلا بحسب القراءة التاريخية لموسوعة بريتانيكا (Britannica)؛ إذ أُعيدت قراءة الفيلم باعتباره دراسة نفسية شديدة الذاتية للهوس، والسيطرة.
ووصل هذا التحول النقدي إلى ذروته في استطلاع مجلة سايت آند ساوند (Sight & Sound) الصادر عن معهد الفيلم البريطاني عام 2012، عندما أزاح “دوار” فيلم “المواطن كين” لأورسن ويلز عن عرش “أعظم فيلم في تاريخ السينما” بعد صدارة دامت 50 عاما متواصلة، ليبقى الفيلم شاخصا في المركز الثاني في تقييم عام 2022، محصنا مكانه كأحد أعظم الإنجازات البصرية والتعبيرية في تاريخ الفن السابع.
