قال المخرج الياباني كينسوكي أوتشيدا إنّ فيلمه «المحرقة» (Incinerator) يعتمد على الخيال الطفولي، ويسعى إلى الاقتراب من المشاعر التي يعجز الأطفال عن تفسيرها أو التعبير عنها بالكلمات، موضحاً أنّ فكرته بدأت قبل نحو 5 سنوات، عندما أخبره المنتج والممثل تاكوما ناغاو، الذي يؤدّي دور الأب في العمل، بأنه يحلم بتحويل القصة القصيرة للكاتبة اليابانية كاوري إيكوني إلى فيلم سينمائي.

وأضاف أوتشيدا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه بمجرّد قراءة القصة ظلَّ سؤال واحد يطارده: لماذا تواصل البطلة الصغيرة إلقاء الأشياء داخل المحرقة؟ مؤكداً أنّ التفكير فيه قاده تلقائياً إلى كتابة السيناريو، لأنّ قوة النص لم تكن في تقديم إجابات، وإنما في إثارة الخيال وفتح أبواب التأويل أمامه.

الياباني كينسوكي أوتشيدا يرى الغموض جزءاً من الحياة (إدارة المهرجان)

وأشار أوتشيدا إلى أنّ المحرقة التي يحمل الفيلم اسمها لا تمثّل مجرّد مكان تدور فيه الأحداث، وإنما تتحوّل إلى حضور نفسي وروحي يرافق البطلة طوال رحلتها، موضحاً أنّ الأحداث تدور عام 1995، عندما كانت المحارق جزءاً مألوفاً من المدارس اليابانية. لكن ما أراد تقديمه يتجاوز هذا الواقع؛ إذ تصبح المحرقة بالنسبة إلى الطفلة «كوزوي» ملاذاً تلجأ إليه كلما واجهت مشاعر أو أحداثاً لا تستطيع استيعابها، سواء ارتبطت بعائلتها، أو بمشاعرها الأولى، أو بفكرة الموت.

وتدور أحداث الفيلم الياباني حول «كوزوي»، الطفلة ذات الأعوام الـ10، التي لا تنتمي إلى دائرة الأطفال الأكثر شعبية في المدرسة، وتخفي عادة غريبة تتمثَّل في إلقاء أشياء مختلفة داخل محرقة المدرسة، بعيداً عن أعين الجميع. لكن حياتها تبدأ في التغيُّر عندما يصل طالب الجامعة «جينتا» إلى فصلها الدراسي لدعوة الأطفال إلى حضور عرض لمسرح الظلّ، فتستيقظ داخلها مشاعر وأسئلة جديدة، لتبدأ رحلة هادئة نحو النضج واكتشاف الذات.

ومن خلال أيام صيفية هادئة وتفاصيل الحياة اليومية، يرصد الفيلم مواجهة طفلة مع أسئلة معقّدة حول الأُسرة والموت والمشاعر الإنسانية. وحصد الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة «آفاق» (Proxima) بالدورة الـ60 من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك.

عُرض الفيلم للمرّة الأولى مؤخراً في التشيك (إدارة المهرجان)

وأكد المخرج الياباني أنه لم يكن مهتماً بكتابة حوارات طويلة تشرح ما تشعر به البطلة، بل حاول أن يجعل الصمت، والإيماءات، والضوء، والظلّ أدوات السرد الأساسية؛ مؤكداً أن الإنسان لا يعبّر دائماً عن مشاعره بالكلمات، وإنما تكشف عنها طريقته في النظر، والحركة، وحضوره وسط الآخرين. لذلك حرص على أن تنقل الصورة السينمائية ما يدور داخل البطلة من خلال التفاصيل الصغيرة، حتى يشعر المُشاهد بعالمها الداخلي من دون الحاجة إلى شروح مباشرة، ممّا جعله يوظّف الضوء والظلّ وسيلتَيْن أساسيتَيْن لإظهار التحوّلات النفسية التي تعيشها الشخصية طوال الأحداث.

وأوضح أوتشيدا أنّ أحد أكبر التحدّيات التي واجهته كان الحفاظ على حالة الغموض التي يحملها النصّ الأصلي، من دون أن تتحوّل إلى غموض يربك الجمهور، لافتاً إلى أنّ «الحياة اليومية نفسها مليئة بالأمور التي لا نفهمها بشكل كامل، ولذلك لا يقدم الفيلم تفسيرات نهائية أو مطلقة، ويكتفي بمتابعة الشخصيات وهي تواجه حيرتها بصراحة وصدق».

وأضاف أنّ «مسرح الظلّ يمثّل نقطة تحوّل محورية داخل الفيلم، ليس فقط على مستوى الأحداث، وإنما أيضاً على مستوى المعنى البصري»، موضحاً أنّ القصة الأصلية كانت مليئة بالرموز السينمائية، لكنّ مسرح الظلّ جذبه بصورة خاصة، لأنه يقوم على العلاقة بين الضوء والعتمة، وهي العلاقة نفسها التي حاول استكشافها داخل الشخصيات.

وقال المخرج الياباني إنه أراد أن يعكس من خلال الفيلم أنّ الإنسان يحمل بداخله دائماً جانباً مضيئاً وآخر مظلماً، وأنّ الحياة لا يمكن اختزالها في الخير أو الشرّ، بل تتشكَّل من التعايش المستمر بين النقيضَين.

وأشار إلى أنه عقد جلسات طويلة مع مدير التصوير شين يونيكورا من أجل الوصول إلى اللغة البصرية المناسبة للعمل. وشاركه مجموعة من الأفلام التي استلهم منها الشكل العام، فيما اقترح مدير التصوير مَشاهد من أعمال أخرى، حتى توصّلا إلى تصور مشترك لكيفية رؤية العالم بعيني «كوزوي».

اختار المخرج بطلة الفيلم بعد اختبارات عدّة (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن بطلة الفيلم، أوضح أوتشيدا أنّ الاختيار وقع على الطفلة كارين بعد تجارب أداء، وأنّ أكثر ما لفت انتباهه فيها هو عفويتها الشديدة، لافتاً إلى أنه لم يحاول تغييرها أو دفعها إلى أداء مصطنع، بل كان هدفه الحفاظ على طبيعتها أمام الكاميرا، مع توفير أجواء مريحة خلال التصوير تساعدها على تقديم الشخصية بصدق.

وأكد أوتشيدا أنه يفضّل السينما التي تمنح المشاهد مساحة للتفكير، بدلاً من تقديم إجابات نهائية، لكنه في الوقت نفسه لا يؤمن بترك كلّ شيء في حالة غموض. وقال إنّ العالم المعاصر أصبح يطالب بإجابات سريعة لكلّ شيء، وتطور الذكاء الاصطناعي قد يعزّز هذا الاتجاه، لكنه يرى أنّ السينما تظلّ مساحة تمنح الإنسان فرصة للتأمُّل والعيش مع الأسئلة التي قد لا تجد إجابة حاسمة.

ويعترف المخرج بأنّ ثقافة الصمت في اليابان انعكست بصورة طبيعية على أسلوبه في صناعة الأفلام، موضحاً أنه قد يكون اختار أحياناً عدم قول بعض الأشياء بصورة غير واعية، لأنه نشأ داخل هذه الثقافة. وشدَّد على قناعته بأن «هناك جمالاً خاصاً فيما لا يُقال، لأنّ الصمت يمنح الجمهور فرصة لإكمال الصورة بخبراته ومشاعره الخاصة، وهو ما يجعل كلّ مُشاهد يعيش تجربة مختلفة مع الفيلم، وفق ذاكرته الشخصية وتفسيره الخاص للأحداث».