عندما أعلنت سوني إطلاق فيلم “سبايدرمان: يوم جديد تماما” (Spider-Man: Brand New Day) لم يكن الحدث مجرد فصل جديد في سلسلة سينمائية ناجحة، ولكنه محطة أخرى في رحلة بدأت قبل أكثر من ستة عقود لشخصية نجحت في عبور ثلاثة أجيال من الممثلين، وعشرات الملايين من المشاهدين، من دون أن تفقد قدرتها على اجتذاب جمهور جديد.
ورغم تراجع شعبية كثير من أفلام الأبطال الخارقين، فقد ظل سبايدرمان استثناء مدهشا، حتى إن صحيفة “غارديان” أطلقت عليه “الامتياز السينمائي الأكثر صمودا في هوليوود”، حيث يكمن سره في احتفاظه بما سمته “الزاوية الإنسانية” التي تجعل الجمهور يرى نفسه في بيتر باركر قبل أن يرى البطل المقنع.
اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
ولا يختلف هذا التفسير كثيرا عما قاله مبتكر الشخصية ستان لي نفسه، إذ أشار إلى أن سبايدرمان كان الأقرب إليه بين جميع شخصيات مارفل، لأنه “لا تسير الأمور معه كما ينبغي أبدا، ولديه كثير من المشكلات، ويرتكب الأخطاء، ويمكنني أن أتماهى معه”. ولم يكن هذا التشابه مصادفة، بل جزءا من الفكرة التي أرادها لي منذ البداية، وتتلخص في بطل خارق لا يعيش فوق البشر بل بينهم.
بين الصرصور والعنكبوت
وعندما بدأ لي البحث عن بطل جديد في عام 1962، كان يدرك أنه لا يريد نسخة أخرى من سوبرمان أو باتمان. ويروي أنه بعدما استنفد تقريبا كل القدرات الخارقة التقليدية، لفت انتباهه حشرة تتحرك على الجدار، فخطر له سؤال بسيط: ماذا لو امتلك إنسان قدرة حشرة على الالتصاق بالجدران؟
ستان لي، مبدع شخصية سبايدرمان (غيتي)
وبعد تجربة أسماء مثل “الرجل الطائر” (Fly-Man) و”الرجل الصرصور” (Insect-Man) استقر على “الرجل العنكبوت” أو “سبايدرمان” (Spider-Man) لأنه وجد أن الاسم أكثر إثارة، لكن الابتكار الحقيقي لم يكن في العنكبوت، بل في الإنسان الذي لدغه.
في أوائل الستينيات، كان المراهق في القصص المصورة يؤدي عادة دور المساعد الذي يقف إلى جانب البطل الأكبر سنا. أما بيتر باركر، فقد أصبح البطل بشخصية طالب في المدرسة الثانوية، يتعرض للتنمر، ويقلق بشأن المال، ويحاول التوفيق بين الدراسة والعمل وحياته العاطفية، قبل أن يكتشف فجأة أن عليه أيضا إنقاذ مدينة كاملة.
ويرى الناقد البريطاني ديفيد تومسون -في دراسة نشرتها مجلة “سايت آند ساوند” (Sight & Sound) التابعة للمعهد البريطاني للأفلام- أن قوة سبايدرمان جاءت بعد تأمل البطولة من منظور مختلف.
كانت البداية بخطأ أخلاقي، إذ لم يحاول بيتر إيقاف لص لأنه لم يرَ أن الأمر يعنيه، ثم يدفع الثمن بمقتل عمه بن، ومن هنا أتت العبارة التي أصبحت لاحقا أشهر جملة في تاريخ مارفل “مع القوة العظيمة تأتي مسؤولية عظيمة”، وتتحول إلى مرشد أساسي للشخصية تكاد أهميته تفوق أهمية أي قدرة جسدية يمتلكها البطل.
الرمز الذي تجاوز حدود القصص المصورة
لم تُقرأ شخصية سبايدرمان على أنها مجرد شاب يمتلك قدرات خارقة، بل بوصفها نموذجا لتحول الإنسان في مواجهة النضج والخوف والمسؤولية، فقد منحها الجانب الإنساني القدرة على البقاء، كما منحها اختيار العنكبوت ملامحها الخاصة كرمز، ولم يتوقف النقاد والأكاديميون عن محاولة تفسير الرموز التي قامت عليها الشخصية منذ عام 1962، بدءا من العنكبوت نفسه، وحتى القناع والشبكة.
يعترف ستان لي بأن اختيار العنكبوت بدأ بملاحظة عابرة لحشرة تتسلق الجدار، لكنه سرعان ما أدرك أن هذه القدرة تمنحه بطلا مختلفا عن جميع الأبطال المعروفين آنذاك، وأدرك أن القوة لا تأتي من العضلات أو الأسلحة، بل من كائن صغير يستطيع النجاة بفضل المرونة والذكاء.
لكن الباحثين رأوا في العنكبوت أكثر من مجرد مصدر للقوة. ففي كتاب “سبايدرمان والفلسفة” (Spider-Man and Philosophy) الذي يضم دراسات لفلاسفة وباحثين في الثقافة الشعبية، تُطرح الشخصية مثالا للتحول الأخلاقي قبل أن تكون تحولا بيولوجيا؛ فلدغة العنكبوت تمنح صاحبها إمكان أن يصبح بطلا أو أن يسيء استخدام قوته، ويكتسب الحدث معناه الحقيقي فقط بعد مقتل العم بن، عندما يكتشف بيتر أن القوة التي حصل عليها لا قيمة لها إن لم تُستخدم لحماية الآخرين.
ويرى الناقد الأمريكي داني فينغروث -أحد أبرز مؤرخي مارفل- أن خصوصية سبايدرمان تكمن في أن حياته لا تتحسن بعد اكتساب القوة، بل تصبح أكثر صعوبة. وهنا يظهر ملمح جديد لدى البطل إذ تزداد مشكلاته، في حين يستخدم الأبطال الخارقون الآخرون قوتهم لحل مشكلاتهم. ويخسر بيتر فرص العمل، ويتأخر عن مواعيده، وتتأزم علاقاته العاطفية، ويضطر إلى إخفاء حقيقته عن أقرب الناس إليه.
ولا يقل القناع أهمية عن العنكبوت نفسه على المستوى الدرامي، فهو يخفي هوية بيتر باركر ويحمي من يحبهم، لكن عددا من الباحثين في دراسات الثقافة الشعبية يرون أن وظيفته أعمق من ذلك؛ فهو يمثل الانقسام بين الشخصية الاجتماعية والشخصية الداخلية، ذلك أن البطل خارج القناع شاب متردد، كثير الاعتذار، يخشى الفشل، ثم يصبح أكثر ثقة وخفة ظل بمجرد ارتدائه.
أما شبكة العنكبوت، التي تبدو في البداية مجرد وسيلة للتنقل أو الإمساك بالأشرار، فقد تحولت في قراءات عدد من النقاد إلى رمز للعلاقات الإنسانية نفسها، فالشاب يصنع خيوطه بيديه، لكنه يصبح في الوقت ذاته مرتبطا بشبكة من الواجبات والالتزامات لا يستطيع الانفصال عنها.
وكلما حاول أن يمنح حياته الخاصة الأولوية، وجد نفسه مضطرا للعودة إلى إنقاذ الآخرين. ومن هنا، لا تبدو الشبكة أداة تمنحه الحرية فقط، بل هي تذكير دائم بأن حياته أصبحت متشابكة مع حياة مدينة كاملة.
المخرج سام ريمي (غيتي)
ويلاحظ الناقد السينمائي روجر إيبرت -في مراجعته لفيلم “سبايدرمان 2” (Spider-Man 2) في عام 2004- أن نجاح أفلام سام رايمي لم يكن قائما على مشاهد الحركة، بل على قدرتها على إقناع المشاهد بأن معركة بيتر الحقيقية ليست مع دكتور أوكتوبوس، وإنما مع المتاهة التي يعيش فيها كل يوم، وهي التناقض بين قدرته على عيش حياته وقدرته على تحمل مسؤولياته.
ثلاثة ممثلين.. وشخصية متجددة
لم يراهن صناع فيلم “سبايدرمان” (Spider-Man) في عام 2002 على المؤثرات البصرية وحدها، وإنما على قراءة المخرج سام رايمي لشخصية بيتر باركر. وقد قال رايمي في أكثر من مناسبة إن أكثر ما جذبه في الشخصية هو أنها “تتحدث عن شاب يحاول أن يكون إنسانا صالحا”، معتبراً أن الجمهور لا يعود إلى سبايدرمان بسبب القوى الخارقة، بل لأنه يرى شخصا عاديا “يحاول فعل الصواب رغم أن ذلك يكلفه كل شيء”.
وقد ركزت ثلاثية ريمي على ثنائية الذنب والمسؤولية أكثر من تركيزها على المعارك. لكن نجاح الشخصية لم يتوقف عند قراءة رايمي، فعندما انتقلت السلسلة إلى أندرو غارفيلد في عام 2012، تغيرت النبرة من دون أن يتغير الجوهر، وأصبح بيتر أكثر سرعة في الكلام، وأكثر تمردا وثقة بالنفس، في حين احتلت علاقته بغوين ستايسي مساحة أكبر من الصراع مع الأشرار.
ورغم انقسام الجمهور بشأن الفيلمين، فإن كثيرا من النقاد رأوا أن غارفيلد قدّم أكثر النسخ تعبيرا عن هشاشة الشخصية العاطفية، وهي القراءة التي اكتسبت تقديرا أكبر بعد ظهوره مجددا في “سبايدرمان: لا طريق إلى الديار” (Spider-Man: No Way Home)، حيث حملت شخصيته آثار الخسارة والندم التي عاشها في سلسلته الأصلية.
توم هولاند (غيتي)
مع دخول توم هولاند إلى عالم مارفل السينمائي في عام 2016، لم تعد القضية كيف يحصل بيتر على قوته، بل كيف يتعلم استخدامها داخل عالم يضم أبطالا يفوقونه خبرة ونفوذا.
يبدأ هولاند تلميذا لتوني ستارك، لكنه ينتهي في “لا طريق إلى الديار” مجردا من كل أشكال الحماية؛ يفقد معلمه ثم عمته ماي ثم حتى ذاكرة العالم عنه، ليعود في النهاية إلى الصورة التي رسمها ستان لي قبل أكثر من 60 عاما، ويصبح شابا وحيدا، يعيش في شقة متواضعة، ويخيط بدلته بنفسه، ولا يملك سوى إحساسه بالمسؤولية.
وجاء أكبر تحول شهدته السلسلة مع تقديم شخصية مايلز موراليس في فيلم “سبايدرمان: في عالم العنكبوت” (Spider-Man: Into the Spider-Verse) في عام 2018، إذ لم يتغير البطل، لكن المقولة الأخلاقية للعمل تحولت من التعرف على ماهية سبايدرمان إلى إمكان أن يصبح الآخرون “سبايدرمان”، وجاءت الإجابة في العبارة التي يقولها بيتر لمايلز في نهاية الفيلم “يمكن لأي شخص أن يرتدي القناع”.
ويرى الناقد الأمريكي أوين غلايبرمان في مجلة “فارايتي” (Variety) أن سر نجاح أفلام “عالم العنكبوت” لا يكمن في أسلوبه البصري المبتكر فقط، بل في قدرته على تحرير الشخصية من فكرة “البطل الواحد”، مع الحفاظ على جوهره الإنساني. لم تعتمد الشخصية في بقائها على القناع أو المؤثرات البصرية أو حتى قدراتها الخارقة، بقدر ما اعتمدت على فكرة إنسانية بسيطة؛ فالبطولة لا تعني امتلاك قوة استثنائية، بل تعني اختيار استخدامها من أجل الآخرين، حتى لو كان الثمن الوحدة أو الخسارة.
