تشهد حجارة قلعة فقرا على أزمنة تعاقبت وبقي أثرها. حلّت فرقة “كركلا” مساء أمس لتُضيف إلى المكان زمناً آخر. عرضُ “فينيقيا” المسرحي لقاءٌ بين تاريخين، أوّلهما تستحضره الخشبة، وثانيهما قائمٌ حولها في حجارة القلعة. وبينهما، يطلّ لبنان كما يُحبّ عبدالحليم كركلّا أن يراه ويقدّمه؛ وطن يمتلك من الذاكرة ما يكفي ليصنع منها فنّاً، ومن الجمال ما يكفي ليقاوم به قسوة الحاضر.

ليلة واحدة فقط افتتحت بها “كركلا” مهرجانات فقرا، لكنها ليلة أُعدّت لئلّا تكون استعادةً لعملٍ سبق أن عرفه الجمهور. تعود “فينيقيا” بروحها الأساسية، إنما مع تعديلات وروحيّة متجددة. القلعة نفسها جزء من المشهد، والعرض وجد فضاءً طبيعياً يمدّ حكايته إلى ما وراء حدود الخشبة.

من أحيرام إلى الضيعة اللبنانية

تنطلق “فينيقيا” من التاريخ، من عالم الملك أحيرام وقصره، حيث يستقبل آمون حور، ابن رمسيس، وتتشابك الحكاية مع سيديروس، أميرة فينيقيا، وصولاً إلى الحلف بين بلاد الأرز ومملكة النيل. التاريخ في رؤية “كركلا” مدخلٌ إلى سؤال الهوية والانتماء والذاكرة.

 

جانب من عرض “فينيقيا“ في قلعة فقرا. (نبيل إسماعيل)

جانب من عرض “فينيقيا“ في قلعة فقرا. (نبيل إسماعيل)

 

ينتقل العرض عبر الزمن حتى يبلغ لبنان آخر، أكثر قرباً وحميمية، في “أوبرا ضيعة لبنانية”، حيث ينقسم أهل القرية بين حيَّين، قبل أن تجد الحكاية طريقها إلى الوفاق والحب. وبين العالمين، القديم والقريب، تتشكّل صورة لبنان التي رافقت تجربة “كركلا” طويلاً؛ بلدٌ تتغير الأزمنة من حوله، ويبقى الإنسان فيه مشدوداً إلى أرضه وحكايته.

نحو ستين راقصاً يحملون الحكاية بأجسادهم. الحركة عندهم لغة موازية للنص والموسيقى والغناء. في مسرح “كركلا”، الجسد لا يسدّ فراغاً، وإنّما يصنع المساحة والوجود ويُعيد تشكيلهما؛ تتقاطع الخطوات، تتسع التكوينات ثم تنحسر، وتتلاحق اللوحات في ذلك المزج الذي جعل للفرقة لغتها الخاصة بين الرقص الشرقي والمسرح الراقص والمشهدية البصرية. حركة تستدعي أخرى. الجسد يلتقط الإيقاع ويترجمه. المجموعة تستحيل كتلةً ثم تتفرّق إلى خطوط ومساحات. العين في مسرح “كركلا” ترى الموسيقى متجسّدة، والإيقاع مرئيٌّ في حركة الأجساد.

 

جانب من عرض “فينيقيا“ في قلعة فقرا. (نبيل إسماعيل)

جانب من عرض “فينيقيا“ في قلعة فقرا. (نبيل إسماعيل)

 

في قلب هذه المشهدية، تعود وجوه طالما ارتبطت بذاكرة “كركلا”. لهدى حداد حضورها الذي التصق طويلاً بهذا المسرح، ولجوزف عازار خبرة تمتد على الخشبة بثقلها، فيما يحمل رفعت طربيه وغابريال يمين خصوصيةً مسرحية تضيف إلى اللوحات الراقصة بُعدها الدرامي. وإلى هؤلاء، تأتي كتلة الراقصين الكبيرة لتمنح “فينيقيا” اتّساعها وحيويتها، في عرض لا يقوم على بطل منفرد بقدر ما يبني عالمه من تضافر الصوت والجسد والموسيقى والصورة.

الإبداع والتجديد لغة “كركلا”

يتولّى إيفان كركلا الإخراج والإضاءة والمؤثرات، موظِّفاً الأدوات البصرية والتقنية في إعادة بناء فضاء العمل، بما ينسجم مع خصوصية القلعة والخلفية الأثرية التي تمنح العرض هذه المرة شخصيته المختلفة.

 

جانب من عرض “فينيقيا“ في قلعة فقرا. (نبيل إسماعيل)

جانب من عرض “فينيقيا“ في قلعة فقرا. (نبيل إسماعيل)

 

وفي الرقص، تشرف أليسار كركلا على اللوحات، مع إضافات ورقصات جديدة تحافظ على هوية العمل وتفتح داخله مساحات أخرى للحركة. وفي هذه العلاقة بين ما بقي وما تغيّر تكمن مغامرة النسخة الجديدة، وهي ألّا تفقد “فينيقيا” روحها التي عرفها الجمهور، وألا تعود في الوقت نفسه بوصفها نسخة مطابقة من ماضيها.

خلف كل هذه التفاصيل يبقى عبدالحليم كركلّا. يصعب الحديث عن تجربة “كركلا” من دون العودة إليه، لأن دوره يتجاوز فكرة المؤسس أو صاحب الإشراف العام. هو العقل الذي صنع لهذا المسرح لغته وهويته، والرؤية التي جمعت مدى عقود الرقص بالموسيقى والمسرح والأزياء والتراث، وأرادت للفولكلور أن يتحول إلى مادة مسرحية قابلة للسفر إلى العالم.

 

عبدالحليم كركلّا خلال التحضيرات. (نبيل إسماعيل)

عبدالحليم كركلّا خلال التحضيرات. (نبيل إسماعيل)

 

يتدخّل في تفاصيل العمل ويسهر على صورته النهائية. المشهد لديه يُبنى من العلاقة بين حركة الراقص والضوء الذي يقع عليه، وبين لون الثوب والموسيقى، وبين دخول الممثل وصمت الخشبة، وبين التاريخ كما وصل إلينا والتاريخ كما يستطيع المسرح أن يتخيله.

حين أُضيئت قلعة فقرا أمس، كان الوطن حاضراً، فينيقياً ولبنانياً، قديماً ومعاصراً، حكايةً وقريةً وأغنيةً ورقصة. وخلف المشهد رجل أمضى حياته يبحث عن الطريقة الأجمل ليضع بلده على خشبة المسرح. وبين حجارة فقرا وأضواء “فينيقيا”، يعود هذا الحلم إلى الخشبة؛ لبنان يروي تاريخه، يغنّي حكايته، يبتكر إيقاعاً ويُواكبه راقصاً.