تونس ـ من مقامات أم كلثوم إلى أغاني وديع الصافي ووردة الجزائرية، مرورا بالفولكلور السوري وألحان أسمهان ومحمد عبد الوهاب، حملت الفنانة اللبنانية سندي لطّي جمهور مسرح الهواء الطلق بالحمامات في رحلة موسيقية غاصت في ذاكرة الأغنية العربية الطربية، واستعادت خلالها أسماء وألحاناً شكّلت على مدى عقود جزءاً من الوجدان العربي.
وقدّمت سندي لطّي خلال هذا اللقاء الفني باقة من الأعمال التي تنتمي إلى رصيد موسيقي غني ومتنوع، مستحضرة تجارب كبار المطربين والملحنين الذين تركوا بصماتهم في تاريخ الموسيقى العربية.
وبين المقامات الشرقية والألحان الراسخة في الذاكرة، بدا الحفل بمثابة مساحة لاستعادة زمن كانت فيه الأغنية تقوم على الكلمة واللحن والصوت، وتمنح للأداء مساحة واسعة للتعبير والإحساس.
واختارت الفنانة اللبنانية أن تنفتح في عرضها على مدارس غنائية وموسيقية متعددة، فتنقلت بين أعمال ارتبطت بأسماء كبيرة في الغناء العربي، وقدّمت نماذج من الأغنية الطربية التي تعتمد على قوة الصوت وتنوع المقامات والقدرة على الانتقال بين الجمل الموسيقية بانسيابية. كما استحضرت أجواء الفولكلور السوري، بما يحمله من ثراء إيقاعي ولحني، لتمنح العرض بعداً إضافياً يعكس تنوع الموروث الموسيقي في المنطقة العربية.
وكان حضور أم كلثوم في البرنامج الغنائي بمثابة عودة إلى واحدة من أهم المحطات في تاريخ الطرب العربي، حيث ما تزال أعمالها حاضرة في الذاكرة الجماعية، وتستمر أغانيها في جذب أجيال مختلفة من المستمعين. كما حضرت أسماء وديع الصافي ووردة الجزائرية وأسمهان ومحمد عبد الوهاب، في استعادة لجزء من الإرث الفني الذي أسهم في تشكيل ملامح الأغنية العربية الحديثة.
وشكل اختيار هذه الأسماء محاولة لربط الجمهور بالمراحل المختلفة التي مرت بها الموسيقى العربية، من الأغنية التقليدية ذات الجذور الشرقية إلى التجارب التي أسهمت في تطوير شكل الأغنية وأدائها وتوسيع انتشارها خارج حدود بلدانها.
وفي هذا السياق، أضفى التنوع في الاختيارات الموسيقية على السهرة طابعا خاصا، إذ وجد الجمهور نفسه أمام فسيفساء من الأصوات والألحان واللهجات والإيقاعات، تتقاطع جميعها عند مساحة مشتركة هي الأغنية العربية.
وقد ساعد هذا التنوع على خلق انتقال سلس بين محطات موسيقية مختلفة، مع الحفاظ على روح الطرب التي طبعت العرض.
كما كشفت الأمسية عن قدرة الأغنية العربية الكلاسيكية على الاحتفاظ بجاذبيتها أمام جمهور اليوم، خصوصا عندما تقدم ضمن رؤية تحافظ على جوهرها وتمنحها في الوقت نفسه مساحة جديدة للتفاعل. فالأعمال التي تعود إلى عقود مضت لم تبدُ بعيدة عن ذائقة الجمهور، بل استعادت حضورها من خلال الأداء الحي والتواصل المباشر بين الفنانة والجمهور.
ويأتي هذا الحفل ضمن أجواء المهرجان الصيفية التي تجعل من مسرح الحمامات فضاءً لاستقبال تجارب فنية متنوعة، وتتيح للجمهور التونسي وضيوف البلاد التلاقي مع أصوات وتجارب من مختلف أنحاء العالم العربي.
ومن خلال اختياراتها، قدّمت سندي لطّي عرضا يستند إلى الذاكرة الموسيقية العربية، ويؤكد أن الأغنية الطربية لا تزال قادرة على بناء جسر بين الماضي والحاضر. فقد التقت في سهرتها أسماء خالدة في تاريخ الموسيقى العربية مع أداء معاصر يعيد تقديم تلك الأعمال أمام جمهور جديد، لتظل الأغنية جسرا مفتوحا بين أجيال متعاقبة.
وهكذا، تحولت سهرة سندي لطّي على مسرح الهواء الطلق بالحمامات إلى موعد مع ذاكرة الطرب العربي، جمعت فيه بين المقامات والأصوات والموروثات الموسيقية، واستعادت من خلاله أعمالا وأسماء لا تزال حاضرة في الوجدان، مؤكدة أن الموسيقى قادرة على تجاوز الزمن والحدود، حين تحمل في كلماتها وألحانها ما يلامس ذاكرة الجمهور وإحساسه.
