عاش طلال مداح ستين عامًا، قضى معظمها في الغناء.

موهبته كانت استثنائية، وشغفه بالفن دفعه إلى تجاوز حدود السائد، ليسهم في شق مسار جديد للأغنية السعودية لم يُطرق من قبل، بدءًا من النصف الثاني من القرن الماضي.

وعلى مدى عقود، اتسع انتشار أعماله تباعًا، وعبرت أغنياته حدود السعودية إلى جمهور عربي أوسع، كما وصلت تسجيلاته إلى محطات إذاعية خارج المنطقة.

اللهجة المحلية واللحن الشجي والصوت الذي يصعب أن يلتبس بغيره، عناصر صنعت توليفة جذبت المستمعين، وشجعت عددًا من الفنانين العرب لاحقًا على إعادة تقديم أغنيات من أرشيف الرجل الذي ارتبط اسمه بألقاب عدة، أبرزها “صوت الأرض” و”الحنجرة الذهبية”.

أسهم مداح في تعريف جمهور عربي واسع بالأغنية السعودية، حتى باتت مسيرته لدى كثيرين علامة فاصلة في تاريخها الحديث.

وعندما رحل، كانت الأغنية رفيقته في لحظة الوداع، إذ توفي على المسرح بينما كان يحيي حفله الأخير.

غادر هو، وبقي صوته وإرثه الفني من بعده.

أغسطس.. شهر الولادة والرحيل

وُلد طلال مداح في مكة المكرمة في الخامس من أغسطس/ آب 1940، ورحل في 11 أغسطس/ آب 2000، بعدما سقط على مسرح المفتاحة في مدينة أبها خلال حفل غنائي، عن ستين عامًا.

وبين التاريخين، سُجلت حقبة مهمة في تاريخ الفن الخليجي عمومًا، والسعودي على وجه الخصوص.

 ستون عامًا بين الميلاد والرحيل

فطلال مداح الذي انشدّ إلى الفن، وأحب العزف والغناء منذ الصغر، لعب في سنوات لاحقة دورًا مفصليًا في تطوير الموسيقى في بلاده.

كان صوته ذا هوية يصعب تقليدها، وحملت ألحانه سمات ميّزت أعماله. وإلى جانب تلحينه كثيرًا من الأغنيات التي أداها بنفسه، قدّم ألحانًا لفنانين سعوديين وعرب، من بينهم محمد عبده ووردة الجزائرية وسميرة سعيد وعبادي الجوهر.

ومن أبرز محطات مسيرته التعاون الذي جمعه بالشاعر الأمير محمد عبد الله الفيصل والملحن سراج عمر، وأثمر أعمالًا من بينها “مقادير” و”لا تقول”. أما “أغراب”، التي لحنها سراج عمر أيضًا، فكانت من كلمات محمد بخيت المعروف باسم محمد حسن.

“مقادير”.. الأغنية التي جعلت طلال مداح جزءًا من ذاكرة الأغنية الخليجية الحديثة

مقتطف من أنغام الشرق

في المقابل، غنى طلال مداح من ألحان أسماء بارزة في الموسيقى العربية، من بينها محمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وبليغ حمدي، في امتداد للتبادل الفني الذي ربط الأغنية السعودية بالمشهد الموسيقي العربي الأوسع. وتؤكد المصادر توالي تعاوناته مع هؤلاء الملحنين خلال مسيرته.

طلال مداح خارج حدود الأغنية السعودية

والفنان السعودي الذي اشتهر في الوطن العربي بالغناء والتلحين، وعُد أول فنان سعودي تسجله جمعية المؤلفين والموسيقيين في فرنسا، كانت له تجربة وحيدة في السينما إلى جانب صباح في “شارع الضباب”.

وتلفزيونيًا، شارك في بطولة مسلسل “الأصيل” إلى جانب لطفي زيني وحسن دردير، الذي عُرف بشخصية “مشقاص”.

لم يقتصر حضور طلال مداح على الغناء، إذ عُرف أيضًا بالعزف على العود والتلحين، وقدم خلال مسيرته أعمالًا لفنانين سعوديين وعرب

كما قلّد الملك فهد بن عبد العزيز طلال مداح وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية تقديرًا لمسيرته الفنية.

“مقادير”.. بطاقة تعريف فنية

في حديثه عن الفنان طلال مداح ضمن برنامج “أنغام الشرق”، الذي يعرض على شاشة “العربي 2″، يرى الملحن والباحث والمخرج فيصل التميمي أن تمسك الراحل بـ”الموروث الفني” كان أحد أسرار محبة الناس له، لكنه يذكر بأن الرجل “كان يمسك العصا من المنتصف”، في إشارة إلى موازنته بين الأصالة والتجديد.

فبينما كان يتعمق في الإرث الفني والثقافي، تأثر أيضًا بكونه ابن منطقة الحجاز القريبة من البحر الأحمر، حيث التلاقي الكبير مع الفنون والإيقاعات الأخرى في المحيط بما في ذلك المصري منها.

الباحث فيصل التميمي يكشف سبب تلقيب طلال المداح بــ”صوت الأرض”

– مقتطف من “أنغام الشرق”

كما يلفت التميمي إلى تميز طلال مداح في أداء فنون المجس والموال، وإلى حضورهما في عدد من أعماله.

ويضيف أن طلال بدأ الغناء في سن مبكرة، ولم يكمل تعليمه بعد المرحلة الابتدائية. ويشير إلى أن أغنياته وصلت عبر الأثير إلى إذاعات عربية كانت تبث من ألمانيا وروسيا وبريطانيا، من بينها إذاعة لندن.

ووفق التميمي، اكتسب هذا الانتشار أهمية إضافية لأن تلك المحطات كانت تضم في برامجها أعمال كبار فناني عصره، مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش.

صدرت “مقادير” من كلمات الأمير محمد عبد الله الفيصل وألحان سراج عمر، وتحولت إلى واحدة من أكثر أغنيات طلال مداح انتشارًا عربيًا.

ساعدت لغة الأغنية القريبة من اللهجة البيضاء ولحنها القابل للحفظ على تجاوزها البيئة الخليجية، فيما أعاد تقديمها لاحقًا عدد من الفنانين، لتصبح من أكثر الأعمال ارتباطًا باسم طلال مداح.

ويعتبر التميمي أن أغنية “مقادير”، على وجه الخصوص، بمنزلة بطاقة تعريف فنية لطلال مداح، بعدما غناها وأعاد تقديمها فنانون كثر، ووصلت إلى جمهور يتجاوز حدود اللهجة المحلية.

و”مقادير” من كلمات الأمير محمد عبد الله الفيصل وألحان سراج عمر، وقد حققت انتشارًا واسعًا داخل السعودية وخارجها، وأصبحت إحدى العلامات الأبرز في التعاون الطويل بين مداح وسراج عمر.

شكّل التعاون بين طلال مداح والملحن سراج عمر إحدى أبرز مراحل مسيرته، وأثمر أعمالًا بقيت حاضرة في الذاكرة الغنائية العربية وفي مقدمتها “مقادير”

ومتوقفًا عند لقب “صوت الأرض”، يقول التميمي إن اللقب ارتبط بطلال مداح تقديرًا لمسيرته الفنية وصوته، ويرى أنه لو كان حيًا لتمسك به واستغنى عن سائر الألقاب.

ويشرح أن “صوت الأرض” بالنسبة إليه يختصر طبيعة صوت طلال مداح، بما يحمله من مزيج يرى فيه أصوات البشر والطبيعة والعصافير والشجر.

بعد رحيله، بقي اللقب الأكثر التصاقًا باسمه، إلى حد أن ليلة التكريم الكبرى التي أقيمت له في الرياض عام 2023 حملت اسم “ليلة صوت الأرض”، بمشاركة عشرات الفنانين العرب، فيما حمل مسرح المفتاحة في أبها اسمه منذ عام 2019.