يقترب مهرجان لوكارنو السينمائي (5 ــ 15 آب/ أغسطس) من محطة هامّة من تاريخه، وهي الذكرى الـ 80 لإنشائه في 23 آب/ أغسطس عام 1946. من حيث العراقة والقدم، يحتلّ المهرجان المرتبة الثانية عالميًا، بعد مهرجان البندقية، الذي انطلق  عام 1932. كما أنّ نشأته كانت في العام نفسه الذي ظهر فيه مهرجان كانّ (20 كانون الأول/ ديسمبر 1946).
وقد شهد حفل افتتاح الدورة الـ 79 للمهرجان في ساحة بيازا غراندي في المدينة السويسرية الجميلة هذا العام العرض الأوّل للفيلم الفرنسي “العيون الخضراء/ The Green Eyes” للمخرجين فاني ليوتار، وجيريمي تروي، في دراما إنسانيّة تتناول قضايا اللجوء والهويّة والانتماء. يحكي الفيلم قصّة فتاة عراقية تعيش مع أسرتها في فرنسا، وتنقلب حياتها رأسًا على عقب بعد دخول شقيقها في غيبوبةٍ مفاجئة إثر تلقّي العائلة قرارًا بالترحيل من البلاد.
ينفرد المهرجان بميزة فريدة تتمثّل بعرض أفلام على شاشة عملاقة نُصبت في الهواء الطلق في ساحة المدينة الشهيرة، التي تتسع لقرابة 8000 متفرّج. تشكّل  العروض الفنية في بيازا غراندي عامل جذبٍ استثنائي، فهي تستقطب الجماهير من جميع أنحاء سويسرا، ومن منطقة بيدمونت الإيطالية المجاورة. ولهذا فإنّه من الطبيعي أن يضمّ برنامج بيازا غراندي تشكيلةً واسعة من الأفلام الإيطالية والفرنسيّة والألمانية، وهي لغات يفهمها غالبية السويسريين، فضلًا عن وجود الأفلام السويسرية الجديدة نفسها ضمن قائمة العروض.
وقع اختيار الأفلام الكلاسيكيّة التي ستعرض في الهواء الطلق، بشكلٍ أساسيّ، على أعمال مخرجين أميركيين يتمتعون بسمعةٍ عالميّة واسعة، بدءًا من ستيفن سبيلبرغ بفيلمه “Jaws”، وصولًا إلى فيلم “Wild at Heart” للمخرج ديفيد لينتش. وعلى الرغم من حضور الأفلام الأميركية الهامّة، فإنّ المهرجان يحتفي بكلّ فخرٍ بالأصول الإيطالية لكلًّ من مارتن سكورسيزي، وروبرت دي نيرو، صنّاع فيلم “سائق التاكسي/ Taxi Driver”، الذي سيعرض أيضًا في الساحة في إحدى الأُمسيات.

“تشكّل العروض الفنية في بيازا غراندي عامل جذبٍ استثنائي، فهي تستقطب الجماهير من جميع أنحاء سويسرا، ومن منطقة بيدمونت الإيطالية المجاورة”

أمّا من حيث نجمات السينما، فقد كانت النجمة إيزابيلا روسوليني، ابنة المخرج الإيطالي الأسطوري ورائد الواقعية الجديدة روبرتو روسوليني، إلى جانب النجمة السويدية المتألقة إنغريد برغمان، نجمتي المهرجان من دون منازع. أثبتت إيزابيلا روسيليني أنّها تستحق بالفعل، وعن جدارةٍ، هذا الإرث العريق، فقد عملت في مجالاتٍ عديدة: مصممة وعارضة أزياء، وصحافية، بالإضافة إلى أنها أصبحت ملهمةً للمخرج الأميركي ديفيد لينتش، لتستقرّ في آخر المطاف ممثلةً استطاعت أن تشقّ طريقها في عالم السينما بنجاح، وأن تحتلّ فيه مكانةً خاصة متقدّمة. وكان آخر إنجازات إيزابيلا روسوليني حصولها على “جائزة التميّز” الفخريّة تقديرًا لمساهمتها في صناعة السينما العالميّة.
أمّا في ما يتعلّق ببرنامج المسابقة الرئيسيّة للمهرجان، فإنّ النطاق الجغرافيّ للأفلام المشاركة أوسع بكثيرٍ من قائمة عروض ساحة بيازا غراندي. فقد كان البرنامج واسعًا لدرجة جعلته يستضيف أفلامًا من 72 دولة، تمتد من فيتنام إلى الهند وأوكرانيا، وصولًا إلى البرازيل وتشيلي. ولا عجب في ذلك، فقد وضع المهرجان على رأس سلّم أولوياته العمل على: المزج بين روائع السينما الكلاسيكية، وبين الأعمال الحديثة المستقلّة، التي يهدف المهرجان من خلالها إلى إتاحة فرصٍ حقيقيّة للمواهب الشابّة.
من اللافت للنظر أيضًا غياب أيّ مشاركةٍ من إسرائيل، وكذلك  غياب المشاركات الروسية التي اعتادها المهرجان في السابق. فمنذ عام 2022، وبعد عرض فيلم “Fairy Tale” للمخرج ألكسندر سوروكوف ضمن المسابقة، غابت السينما الروسيّة فعليًّا عن المهرجان. ولم يقتصر الأمر على الأفلام الروسيّة، بل تعدّاها إلى غياب أيّ أفلامٍ ناطقة بالروسيّة، تمّ إخراجها في دولٍ غير روسيا الإتحاديّة.
من أبرز الأسماء المشاركة في مسابقة هذا العام المخرج الكوري الجنوبي هونغ سانغ ــ سو، والمخرج الكندي دينيس كوتيه. وقد سبق لهذين المخرجين أن شاركا في المهرجان وفازا بجوائزه. سيقدّم المخرج الكوري، وهو أستاذ الكوميديا الممزوجة بالشجن وبالحكايات الرمزية التي تتناول مواضيع النرجسيّة، فيلمه الخامس والثلاثين في مسيرته المميّزة بعنوان “A Traveler’s Needs”. أما المخرج الكندي، فيشارك بفيلمٍ يحمل عنوانًا لا يبعث على البهجة: “أجساد عنيفة/  Violent Bodies”. لم يقتصر الأمر على هذين المخرجين، بل تعدّاهما إلى كثير غيرهما من المخرجين، الذين غلب على أفلامهم المشاركة في المسابقة الطابع القاتم والموضوعات التي تخطّت حواجز المألوف، وكسرت المحظورات.
مثال ذلك الفيلم الكندي الآخر “المطاردة/ Manhnut”، الذي يستلهم مخرجه واين وابيموكوا أحداثه من قصّة جريمةٍ حقيقيّة، وحاول فيه استكشاف الجذور العميقة لظاهرة جنوح الأحداث. فالفيلم يروي، على حدّ تعبير المخرج نفسه، قصّة شابّين يواجهان عالمًا يمزج بين الخيال والعزلة، وبين الهروب من الواقع،  فتتداخل فيه ألعاب الفيديو وثقافة “عبادة الرجولة” والأساطير الوطنية، لتتلاشى الحدود الفاصلة بينها عند وقوع اصطدام ما.
أمّا في فيلم “أنت لا تنتمي إلى هنا/ You dont belong Here” للمخرج فلورين شيريان، فيجد كبير الأطباء في أحد المستشفيات نفسه في مواجهة مجرمٍ، يكتشف أنّه ابنه. في الوقت نفسه، تستكشف المخرجة الألمانية إيزابيل شتيفر، مخرجة الفيلم الألماني الأوكراني “نادرًا ما أستيقظ في الأحلام/ I rarely wake up in Dreams” قضايا المتحولين جنسيًّا، وتطرح تساؤلات حول حدود الذكورة والأنوثة في زمن الحرب.
في المقابل، نجد عددًا من الأفلام تتطرّق إلى الهروب من الواقع المُحبِط إلى عوالم الخيال والأحلام. على سبيل المثال، في الفيلم السنغافوري “الحلم والموت/ Dreaming & Dying” للمخرج نيلسون يو، يقوم بطل الفيلم بإطلاق النارعلى الشمس، ويطير محلّقًا في الفضاء لينقذ نجمًا في طريقه إلى الأُفول، وبعد انقطاع أخباره، وفقدان أثره، تنطلق حبيبته في رحلةٍ للبحث عنه. أمّا الفيلم التشيلي “أميرة الحمار/ The Donkey Princess” للمخرجين كريستوبال ليون، وخواكين كوسينا، فيقوم جوهره، كما هي الحال في الحكايات الأسطورية، على رحلةٍ خياليّة إلى عوالم أُخرى بحثًا عن الحبّ.