الفوز بجائزة أدبية مرموقة حلمٌ يراود كثيرا من الكُتّاب حول العالم. فهو بالنسبة لبعضهم وسيلة لتحقيق نجاح تجاري ومكانة أدبية، وبالنسبة لآخرين، خاصة الكُتّاب الدوليين الصاعدين، الذين تحوّلوا إلى الكتابة بالإنكليزية، فرصة لكسر الحواجز اللغوية، والوجود خارج الحدود الجغرافية والثقافية، وبلوغ القارئ في أنحاء الكرة الأرضية. غير أن الحصول على مكان في مسابقة مرموقة كجائزة بوكر ليس بالأمر اليسير. إذ لا يحق للكاتب الترشح مباشرة، بل من خلال دور النشر التقليدية، وهو مسار ليس في متناول الكُتّاب الجدد، الذين كثيرا ما يعجزون عن إيجاد وكيل أدبي يتولّى تقديم أعمالهم إلى تلك الدور.
لكنّ بروز المنصات الرقمية مثل أمازون كيندل دايركت بَبلِشنغ وآبل بوكس، منح هؤلاء الكُتّاب فرصة لم تكن متاحة لهم من قبل: النشر الذاتي. هذا التحوّل الذي يشهده عالم النشر يدعونا حتما إلى التساؤل: أَلَا يحسُنُ بجوائز مرموقة، كجائزة بوكر، أن تتكيّف مع الواقع الجديد الذي يطبعه التطور التكنولوجي، وتفتح أبوابها أمام أعداد أوسع من الأقلام الأدبية، بدلا من حصر المنافسة في فئة قليلة من الأسماء المعروفة، يتردد بعضها سنة بعد أخرى؟

حق كلّ كاتب في المشاركة في المنافسة

تنص شروط الترشح لجائزة بوكر على تولي دور النشر عملية الترشيح نيابة عن الكتّاب. وبذلك تكون دور النشر أشبه بالرقيب الذي يقرر أي الأعمال يُرشَّح وأيها يُستبعد، وأي الأصوات تُسمع وأيها تبقى صامتة، بعيدة عن الأضواء. ولأن موارد هذه الدور محدودة، فإنها تميل غالبا إلى دعم الأسماء المكرَّسة وترشيح الأعمال التي تحمل آفاقا تجارية واعدة، بينما تظل أصوات كثيرة، خصوصا الجديدة منها، بعيدة عن المنافسة، ما يثير تساؤلات عن مدى مصداقية نتائج هذه الجوائز. فلنتخيل معا مسابقة وطنية للواجبات الإنشائية الطلابية لا يُسمح فيها إلا لعدد محدود من المدارس بالمشاركة. قد يكون العمل الفائز أكثر ما أعجب لجنة التحكيم، لكن هل هو حقا الأفضل في البلاد في غياب مواهب لا تحصى من مدارس أخرى؟ والسؤال هنا ليس عن استحقاق الأعمال الفائزة، بل عن مدى شمولية النظام القائم، وقدرته على منح جميع الكتّاب -لا سيما الجدد وغير المعروفين والأقل حظا في الوصول إلى دور النشر التقليدية – فرصة متكافئة لنيل التقدير. ففي ظل هذا النظام، يواجه الكتّاب المحرومون عقبتين يصعب تجاوزهما: الأولى هي الوصول إلى دور النشر التقليدية أصلا، حيث الفرص شحيحة أمام غير المعروفين؛ والثانية، حتى لو حالفه الحظ وحصل على عقد مع دار نشر، لا يُرجح أن يُرشّح مؤلَّفه في مواجهة أعمال أخرى تراها الدار أوفر حظا في التنافس على الجائزة.

معاناة دور النشر من عدم تكافؤ الفرص

قواعد جائزة بوكر لا تُؤثر سلبا في الكُتّاب فحسب، بل أيضا في الناشرين أنفسهم. فحصة الناشر من الروايات المرشحة لجائزة بوكر تُحدد بناء على سجله في السنوات الخمس الأخيرة وفق تدرج: رواية واحدة فقط لمن لم يسبق له الوصول إلى القائمة الطويلة، وروايتان لمن وصل إليها مرة أو مرتين، وثلاث روايات لمن حقق ذلك ثلاث أو أربع مرات، وأربع روايات لمن تجاوز الخمس مرات. وهكذا، يحظى الناشر الكبير بفرصة ترشيح أربعة عناوين دفعة واحدة، ويُحرم ناشر آخر من ذلك، حتى لو أصدر في العام نفسه عدة روايات تستحق الفوز بالجائزة. فالمعيار هنا ليس جودة الإنتاج، بل سجل الناشر في الجائزة. تمتد آثار ذلك إلى الكُتّاب أنفسهم. فحين لا يملك الناشر سوى فرصة ترشيح واحدة، يصبح مضطرا لاختيار الاسم الأكثر رسوخا والأفضل تجاريا، على حساب صوت جديد قد يستحق البروز. خيارات الناشرين هذه مفهومة من الناحية التجارية، وتبرر برغبتهم في تحقيق نتائج، لكنها تعني في المقابل أن روايات كثيرة لا تصل أبدا إلى طاولة اللجنة، لا لضعفها، بل لاستنفاد الناشر حصته من الترشيحات. فإذا كانت غاية جائزة بوكر اكتشاف أفضل رواية في العام، فإن نظاما يمنح ناشرين فرصة أكبر بأربعة أضعاف من غيرهم يستدعي حتما إعادة النظر.
وهم اختيار أفضل رواية في السنة
إذا كانت قواعد الترشيح لا تنصف الناشرين، فكيف يمكننا التحدث عن منافسة شاملة وعادلة؟ فالمسابقة الأدبية العادلة يُفترض أن تفتح أبوابها للناشرين بشكل متساوٍ، وأن تمنح كل من نشر كتابا في السنة فرصة المشاركة، من دون فرض قيود تعجيزية. وإذا كانت جائزة بوكر لا تنظر سنويا إلا في ما يزيد عن مئة عمل ضمن آلاف الروايات الصادرة في الفترة نفسها، فهل يصح القول إن الرواية الفائزة هي الأفضل في السنة، وهي لم تُقارَن أصلا إلا بجزء يسير مما نُشر؟ لننظر إلى الألعاب الأولمبية. لو اقتصرت المشاركة فيها على رياضيين من دول معدودة، واستُبعد الآلاف من دول أخرى، فهل يستحق الفائزون فعلا لقب الأفضل في العالم؟ ينطبق المبدأ تماما على الجوائز الأدبية. ففي ظلّ النظام الحالي، لا تختار جائزة بوكر في الواقع أفضل رواية صدرت في العام، وإنما أفضل رواية من بين الروايات القليلة التي سُمح لها بالوصول إلى الطاولة.

أصوات عالمية في الظل

لم تعد الكتابة بالإنكليزية حكراً على من وُلدوا داخل فضائها اللغوي والثقافي، إذ يتجه عدد متزايد من الكتّاب من خلفيات مختلفة إلى اعتمادها لغةً للكتابة، سعياً إلى مخاطبة جمهور أوسع وتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية. غير أن الانتقال إلى سوق النشر العالمي لا يضمن بالضرورة الوصول إلى قنوات النشر التقليدية، ولا سيما بالنسبة إلى الكتّاب الجدد الذين يواجهون صعوبة في العثور على وكيل أدبي أو دار نشر مستعدة لتبنّي أعمالهم. ولا يعود ذلك دائماً إلى ضعف النصوص، بقدر ما يرتبط أيضاً بطبيعة صناعة النشر نفسها، وبكثرة المخطوطات التي تصل إلى الوكلاء والناشرين، وضيق قدرتهم على متابعتها جميعاً. وفي ظل هذا الواقع، يظل الاسم المعروف والحضور الأدبي السابق عاملين مؤثرين في فرص الوصول إلى الناشر. من هنا، برز النشر الذاتي بوصفه مساراً موازياً أتاح لعدد كبير من الكتّاب الوصول مباشرة إلى القراء، بعيداً من البوابات التقليدية للنشر. غير أن كثيراً من الجوائز الأدبية الكبرى لا يزال يتعامل بحذر مع هذا التحول، أو يبقي كتّاب النشر الذاتي خارج دائرة المنافسة. وهكذا قد يحقق عمل أدبي انتشاراً واسعاً ويحظى بتقدير القراء، من دون أن تتاح له فرصة الوصول إلى الجوائز الكبرى. وهذا يطرح سؤالاً أساسياً: هل ينبغي أن يُقاس التميز الأدبي بقيمة النص، أم بالمسار الذي سلكه إلى النشر؟

كيف تستفيد الجوائز من الوسائل التقنية؟

يثير فتح باب المنافسة أمام كتّاب النشر الذاتي مخاوف مفهومة، في مقدمها الارتفاع الكبير المحتمل في عدد المشاركات وما يترتب عليه من أعباء إضافية على لجان التحكيم. وإذا كانت قراءة مئات الأعمال وتقييمها تمثل تحدياً قائماً في النظام الحالي، فإن توسيع دائرة الترشح سيجعل هذه المهمة أكثر تعقيداً. لكن تطور الأدوات الرقمية يتيح التفكير في حلول تخفف الأعباء الإجرائية من دون أن تحل محل الحكم النقدي البشري. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يُستخدم في تنظيم المشاركات، والتحقق من استيفاء الشروط، وتصنيف الملفات، واستخراج البيانات الأساسية، وتيسير إدارة الأعمال المتقدمة إلى المسابقة. أما التقييم الأدبي نفسه، بما يتطلبه من تقدير للأسلوب والبناء والابتكار والعمق الإنساني، فينبغي أن يبقى من اختصاص المحكمين. بهذه الصيغة، يمكن للتكنولوجيا أن توسع قدرة الجوائز على استقبال عدد أكبر من الأعمال، من دون أن تتحول إلى جهة تحسم القيمة الأدبية أو تستبدل ذائقة لجنة التحكيم. كما يمكن أن تفتح المجال أمام أصوات جديدة، من بينها كتّاب النشر الذاتي وكتّاب ينتمون إلى بيئات لا تملك وصولاً سهلاً إلى دور النشر الكبرى. ولا يُفترض أن يؤدي هذا التحول إلى الانتقاص من مكانة الجوائز الأدبية، بل قد يعزز قدرتها على اكتشاف أعمال جديدة وتوسيع قاعدة المنافسة. فكلما اتسعت دائرة الوصول إلى الجائزة، أصبحت فرص اكتشاف المواهب أكثر تنوعاً، وأصبح معيار القيمة الأدبية أقل ارتباطاً بموقع الكاتب داخل صناعة النشر.

إن إعادة النظر في آليات الترشح، والاستفادة من الأدوات التقنية في الجوانب التنظيمية، قد تسهم في بناء نموذج أكثر انفتاحاً وعدالة. نموذج لا يحتكر فرص الوصول إلى الجوائز الكبرى داخل دائرة محدودة من دور النشر والأسماء الراسخة، بل يتيح مساحة أوسع لأعمال جديدة قد تكون جديرة بالقراءة والمنافسة، لكنها لا تزال خارج دائرة الضوء.

كاتب جزائري