لم يعد الهاتف مجرد وسيلة لمتابعة المحتوى، بل أصبح بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور الشاشة التي يمارسون من خلالها جانبا كبيرا من جرعتهم اليومية للترفيه. ومع الاعتياد المتزايد على المحتوى السريع، بدأت أنماط المشاهدة نفسها في التغير.

وفي هذا السياق، انتقل السرد الدرامي خلال السنوات الأخيرة من الحلقة التي تمتد لنحو 50 دقيقة إلى صيغة قد لا تتجاوز دقيقتين، مصممة للشاشة العمودية ولإيقاع المشاهدة السريعة. وقد مهدت ثقافة الفيديو القصير التي رسختها منصات مثل تيك توك وإنستغرام الطريق أمام هذا الشكل، قبل أن يتحول في الصين إلى صناعة لها كتابها ومنتجوها ومنصاتها وقوالبها السردية الخاصة.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

غير أن الدراما العمودية، أو “المايكرو دراما” (Micro-Drama)، لا تختصر المسلسل التقليدي في مدة أقصر، وإنما تعيد بناءه من الأساس. فالحلقة تقدم جرعة سريعة من الصراع أو المفاجأة، وتنتهي غالبا عند لحظة حاسمة تدفع المشاهد إلى الحلقة التالية، بينما تمتد الحكاية الواحدة عبر عشرات الحلقات، بما يناسب المشاهدة المتقطعة على الهاتف.

كيف نشأت الظاهرة؟

بدأ هذا الشكل الدرامي في الصين تحت مسمى “الدوانجو” (Duanju)، في بيئة صنعتها منصات الفيديو القصير، قبل أن يتحول إلى نموذج إنتاج مستقل. ومع اتساع قاعدة الجمهور، تحولت قصص الحب والخيانة والانتقام والثراء المفاجئ وصراع العائلات إلى قوالب متكررة يمكن تطويرها وإنتاجها بسرعة.

وبحلول نهاية عام 2024، وصل عدد متابعي الدراما القصيرة في الصين إلى نحو 662 مليون مستخدم، وبلغت إيرادات السوق ما يقارب 7 مليارات دولار، متجاوزة إيرادات شباك التذاكر السينمائي الصيني في ذلك العام.

من الصين إلى السوق الأمريكية

وفي انتقال هذه الصيغة من الصين إلى الأسواق الأخرى، شكّلت السوق الأمريكية أحد أهم أهدافها، فظهرت تطبيقات متخصصة تقدم النوع نفسه باللغة الإنجليزية، مع نماذج اقتصادية تعتمد على الاشتراك أو الدفع لفتح الحلقات، إلى جانب الإعلانات. ومع الوقت تصدَّر تطبيقا ريل شورت (ReelShort) ودراما بوكس (DramaBox) هذه السوق، إذ بلغت إيراداتهما التراكمية حتى مارس/آذار 2025 نحو 490 مليون دولار و450 مليون دولار على الترتيب.

ومن أشهر الأمثلة على المايكرو دراما الأمريكية ذات المنشأ الصيني مسلسل “كيف تروّض الثعلب الفضي” (How to Tame a Silver Fox)، الذي وصلت مشاهداته إلى 356 مليون مشاهدة، وتحولت بعض مشاهده إلى مادة مستقلة واسعة الانتشار على منصات التواصل، وتدور أحداثه حول طالبة جامعية تنجذب إلى صديق والدها في علاقة تقوم على فارق العمر.

ومسلسل الفانتازيا الرومانسية “قدري مع الألفا المحظور” (Fated to My Forbidden Alpha)، الذي جعل “دراما المستذئبين القصيرة” من أكثر الأنواع شعبية لدى الجمهور الغربي.

وكذلك مسلسل “الحياة المزدوجة لزوجي الملياردير” (The Double Life of My Billionaire Husband)، القائم على قالب الزوج الثري ذي الهوية المخفية والزواج الإجباري والانتقام، والذي حقق نجاحا كبيرا جماهيريا واقتصاديا.

وتكشف هذه الأعمال أن ما انتقل من الصين إلى الولايات المتحدة لم يكن قصة بعينها، بل قالبا دراميا قابلا لإعادة التدوير: شخصية ضعيفة أو مرفوضة، وأخرى ذات سلطة استثنائية، وسر كبير، ثم سلسلة من الانقلابات والمفاجآت.

هوليوود تدخل اللعبة

أما النقلة الأكثر دلالة فجاءت حين بدأت ظاهرة استقطاب صناع الترفيه التقليديين في هوليوود، بما يشير إلى تغير النظرة إلى المايكرو دراما من محتوى سريع إلى صيغة إنتاج يمكن أن تمتلك سوقا مستقلة.

وهو ما أسفر عن ظهور أعمال عدة، مثل مسلسل “خطوة بخطوة” (Step By Step)، الذي حصل على تقييم 7.9 نقاط على موقع آي إم دي بي (IMDb). ولا تكمن أهميته في الحبكة بقدر ما تكمن في كونه نموذجا لمحاولة صناعة نسخة أمريكية أكثر احترافا، بدلا من الاكتفاء باستيراد الأعمال الصينية أو تقليدها.

ومع دخول الممثلة والمنتجة عيسى راي إلى المجال أيضا، بدت الخطوة أكثر وضوحا، بعد إنتاجها مسلسل “وقت الشاشة” (Screen Time) بالتعاون مع تيك توك. وينتمي المسلسل إلى فئة الإثارة والغموض، وتدور قصته حول شخصيات تتشابك حياتها مع تهديد إلكتروني. وقد تجاوز العمل 150 مليون مشاهدة، مما أسفر عن اتساع الموضوعات التي يمكن لهذا الشكل الدرامي استيعابها.

لماذا نجح هذا الشكل؟

وبالنظر إلى القائمة السابقة، تثبت هذه الأعمال أن جاذبية المايكرو دراما لا تُستمد من تعقيد الحكاية، وإنما من قدرتها على تحويل الفضول إلى عادة مشاهدة. وهنا تكمن المفارقة الفنية لهذا الشكل؛ فما قد يبدو ضعفا في الدراما التقليدية، مثل المبالغة وسرعة التحولات والشخصيات ذات الدوافع المباشرة، يصبح أداة وظيفية حين لا تملك الحكاية سوى دقائق قليلة لفرض حضورها.

لكن الثمن قد يكون فادحا أحيانا، إذ تأتي السرعة على حساب التدرج النفسي والبناء الدرامي. ومع أن الدراما العمودية قد لا تكون بديلا عن المسلسلات التقليدية، فإنها تكشف أن التغير الحقيقي لا يتعلق بعدد دقائق الحلقة فقط، بل بالطريقة التي تُكتب بها الحكاية وتُصوَّر وتُوزَّع وتُستهلك.

 

بدايات في  العالم العربي؟

أما في العالم العربي، فلا تزال التجربة في مرحلة مبكرة. ففي مصر، قدمت منصة “واتش إت” خاصية “الميني دراما” التي تعتمد على مسلسلات أصلية تتجاوز 50 حلقة، مدة الحلقة الواحدة منها بين دقيقة ودقيقتين، ومن الأعمال التي روجت لها المنصة ضمن هذه الفئة، مسلسل “ابن الشركة”.

كما ظهرت منصة بلينغ وود (BlingWood) التي أُطلقت في دبي عام 2026، وتقوم أعمالها على 30 حلقة مدة كل منها دقيقتان، وتقدم محتوى أصليا متعدد اللغات بينها العربية والإنجليزية والهندية.

وليست التجربتان المصرية والإماراتية وحدهما في الساحة، فقد بدأت أسواق عربية أخرى مثل السعودية وسوريا تخطو خطوات موازية نحو الشكل نفسه، بما يكشف أن الاهتمام بالصيغة لم يعد حكرا على سوق بعينه، وإن اختلفت وتيرة النضج بين تجربة وأخرى.