خلال أيام قليلة، تحول اسم “قاع الهامور” من مجرد عالم خيالي مستوحى من مسلسل الرسوم المتحركة الشهير “سبونج بوب” إلى واحد من أكثر الموضوعات تداولًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما انتشرت صور ومنشورات ساخرة تتخيل حياة المستخدمين داخل هذا العالم الافتراضي، قبل أن يتسع نطاق التفاعل معه وينضم إليه عدد كبير من المستخدمين والفنانين.

وبحسب ما تداوله مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، امتلأ فيسبوك خلال الساعات الماضية بصور ومنشورات تتخيل أماكن وحياة مختلفة داخل عالم مستوحى من أسلوب رسم “قاع الهامور” في مسلسل “سبونج بوب”، وتفاعل عدد كبير من المستخدمين مع التريند، ناشرين صورًا ومنشورات يتخيلون فيها شكل حياتهم لو كانوا يعيشون في هذا العالم، في إطار من المزاح.

وأنشئت مجموعة حملت اسم “شكاوى أهالي قاع الهامور” في أغسطس الجاري، لتبدأ بعدها موجة من المنشورات التي تدعم هذا التريند، قبل أن يتسع التفاعل مع الفكرة ويصل عدد أعضاء المجموعة إلى نحو مليون و800 ألف شخص خلال أيام قليلة.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد فرويز، استشاري الطب النفسي، في تصريحات خاصة لـ”الكونسلتو”، أن انتشار مثل هذه التريندات لا يرتبط بالضرورة بوجود مشكلة نفسية لدى المشاركين، وإنما قد يكون في كثير من الحالات وسيلة للتفريغ النفسي والهروب المؤقت من الضغوط اليومية.

اقرأ أيضًا.. بعد تصدره التريند- كلوزابكس قنبلة موقوتة في أيدي المراهقين

لماذا يشارك الشباب في التريندات المثيرة للجدل؟

قال الدكتور محمد فرويز إن التريندات تمثل بالنسبة إلى كثير من الأشخاص وسيلة للتفريغ، خاصة عندما لا يرغب الشخص في التعبير عن مشاعره أو مخاوفه بصورة مباشرة، فيلجأ إلى الهزار والضحك وتحويل الضغوط إلى محتوى ساخر.

أوضح أن استخدام الفكاهة في مواجهة الضغوط يُعرف في علم النفس باسم “Humor”، وهو أحد ما يُطلق عليه “الميكانيزمات الدفاعية الناضجة”، إذ يساعد الشخص على التعامل مع القلق والضغوط بطريقة أقل حدة، مشيرًا إلى أن هناك دوافع أخرى للمشاركة، من بينها الفضول، أو الرغبة في معرفة ما يفعله الآخرون، فضلًا عن ما يُعرف بـ”نظرية القطيع”، حيث يميل البعض إلى الانضمام إلى السلوك المنتشر لمجرد أن عددًا كبيرًا من الأشخاص يشاركون فيه، دون التفكير بصورة كافية في تبعاته.

وأشار إلى أن بعض التريندات قد تُستغل بصورة مختلفة من خلال تمرير رسائل سياسية أو حزبية أو التأثير في الرأي العام تحت غطاء المزاح، وهو ما يمكن وصفه بـ”دس السم في العسل”.

هل المشاركة بتريند قاع هامور تعني وجود مشكلة نفسية؟

وأكد فرويز أن المشاركة في التريندات المثيرة للجدل لا تعني بمفردها وجود اضطراب أو مشكلة نفسية، موضحًا أن الضغوط والقلق أصبحا جزءًا من واقع عالمي نتيجة الحروب والصراعات والضغوط الاقتصادية والمهنية.

وأضاف أن السوشيال ميديا أصبحت بالنسبة إلى البعض مساحة للابتعاد مؤقتًا عن مشكلات الحياة الواقعية، إذ ينتقل الشخص من ضغوط الحياة اليومية إلى العالم الافتراضي بحثًا عن التسلية أو تفريغ الطاقة.

وفسر ذلك أيضًا بسلوك التصفح المستمر دون هدف، قائلًا إن الشخص قد يجد نفسه ممسكًا بالهاتف ويقوم بتصفح متواصل لمجرد إفراغ ذهنه وعدم التفكير في شيء، وهو ما يجعل الترندات جذابة بالنسبة إليه.

لماذا المراهقون الأكثر تأثرًا بالتريندات؟

حذر استشاري الطب النفسي من التأثير المحتمل لهذه التريندات على المراهقين، موضحًا أن هذه الفئة تكون أكثر قابلية للتأثر، لأنها لا تزال في مرحلة تكوين الشخصية والرأي، مشيرًا إلى أن تعرض المراهق بصورة مستمرة لمحتوى سلبي قد يؤثر في نظرته إلى المجتمع، خصوصًا إذا كانت معظم المعلومات والانطباعات التي تصل إليه تحمل طابعًا سلبيًا.

وأكد أن الشخص الأكثر نضجًا يستطيع عادةً التمييز بين المزاح والواقع، بينما قد يتأثر بصورة أكبر من يعاني ارتفاعًا في القلق أو لديه قابلية للانقياد والتبعية، وكذلك المراهق الذي لم تتشكل شخصيته بصورة مستقرة بعد.

لماذا يشارك المشاهير في التريندات الشائعة؟

عن مشاركة الفنانين والشخصيات العامة، يرى فرويز أن طبيعة الشخصية العامة تجعلها أكثر حرصًا على الظهور وجذب الانتباه، ولذلك قد تدفعها مشاركتها في التريند إلى الاستفادة من حالة التفاعل والانتشار الموجودة بالفعل.

وأكد أن المشاهير قادرون على التأثير بصورة كبيرة في الجمهور، موضحًا أن المشاهدات والتعليقات قد تمنح بعض الأشخاص شعورًا بالقيمة والتقدير، خصوصًا إذا كانوا يبحثون عن هذا الشعور من الخارج أكثر من بحثهم عنه داخل أنفسهم.

وحذر فرويز من أن تكرار التعرض لسلوك معين قد يؤدي إلى تطبيعه، موضحًا أن علم النفس يعرف مفهوم “Modeling”، أي التعلم من خلال النموذج أو القدوة.

وقال إن الشخص الذي يمتلك حضورًا وثقة لدى الجمهور يمكن أن يكون سلوكه أكثر تأثيرًا من الأشخاص المحيطين بالجمهور في الحياة اليومية، وهو ما يفسر سرعة تقليد الشباب للمشاهير ولاعبي كرة القدم في الملابس وقصات الشعر وبعض السلوكيات، مضيفًا أن المراهقين تحديدًا أكثر قابلية لهذا التأثير بسبب حب التجربة وتأثير الأصدقاء، حيث قد يدفع قيام أحد الأصدقاء بسلوك معين الآخرين إلى تقليده.

قد يهمك.. حسام موافي يحذر: الاضطرابات النفسية من أبرز أسباب فقدان الشهية

لماذا ينجذب الجمهور إلى الترفيه أكثر من النماذج الهادفة؟

وفسر فرويز انجذاب الجمهور إلى المحتوى الترفيهي بأنه مرتبط برغبة الإنسان في الابتعاد عن ضغوط الحياة، مؤكدًا أن الناس تميل غالبًا إلى الأشياء السهلة التي تمنحها شعورًا سريعًا بالمتعة، موضحًا أن المشاهير يتحولون في هذه الحالة إلى رموز مرتبطة بالترفيه، وهو ما يفسره مفهوم “Conditioning” أو الاشتراط، إذ يمكن ربط شخص مشهور بمنتج أو فكرة حتى تصبح صورته جزءًا من الانطباع الذهني عنها.

ويرى استشاري الطب النفسي أن سرعة انتشار “قاع الهامور” ترجع جزئيًا إلى غرابة الفكرة نفسها، لأنها تثير الفضول وتجعل الشخص يتساءل عن سبب تجمع الآخرين حولها، موضحًا إن ظهور المشاهير أو عدد كبير من المستخدمين وهم يشاركون في الفكرة يدفع آخرين إلى البحث عنها وتجربتها، ثم الانضمام إلى المجموعة، وهو ما يتقاطع مع الفضول و”نظرية القطيع”.

هل يعتبر المشاهير أداة للتأثير الإيجابي؟

وأكد فرويز أن تأثير المشاهير ليس سلبيًا بالضرورة، مشيرًا إلى أن استغلال حضورهم بصورة جيدة يمكن أن يحقق نتائج إيجابية في حملات التوعية والمبادرات المجتمعية.

واستشهد بحملة مكافحة المخدرات التي شارك فيها محمد صلاح، وكذلك بحالة إنسانية ساهمت الفنانة هايدي كرم في دعمها، مؤكدًا أن الشخصيات العامة يمكن أن يكون لها تأثير واسع عندما يُوجَّه هذا التأثير نحو هدف إيجابي.

ويرى فرويز أن بعض حملات التوعية تفشل بسبب تقديم النصائح بصورة مباشرة، موضحًا أن الإنسان لا يحب الشعور بالوصاية أو أن يفرض عليه شخص آخر تغيير سلوكه، مشيرًا إلى أن توجيه الشخص بصورة مباشرة إلى ترك سلوك معين قد يدفعه إلى الدفاع عنه وتبريره، بدلًا من التفكير في تغييره، ولذلك قد تكون الحوافز والأساليب غير المباشرة أكثر فاعلية، خصوصًا مع المراهقين.

واختتم فرويز، لـ”الكونسلتو”، أن الناس ليست متشابهة؛ فهناك أشخاص يمتلكون أهدافًا واضحة منذ الصغر ويسعون إليها، بينما يوجد آخرون يختارون تخصصاتهم أو مجالاتهم بدافع التجربة أو لعدم وجود بديل واضح، موضحًا أن المشكلة لا تتمثل دائمًا في عدم معرفة الشخص بمصلحته، وإنما في عدم قدرته على تحديد ما يريده أو كيفية توجيه نفسه.