لأعوام طويلة، ارتبط الحضور التركي في العالم العربي بالمسلسلات أكثر من الأفلام. وأصبحت أسماء النجوم تُقاس بعدد حلقات العمل وانتشاره على المنصات، فيما تراجعت السينما خطوة إلى الخلف أمام طفرة الدراما الطويلة وتوسع الإنتاج المخصص للتلفزيون والمنصات الرقمية.

ولكن المشهد التركي هذا العام يحمل إشارات مختلفة: مشاريع سينمائية جديدة تتوالى، نجوم معروفون يعودون إلى الشاشة الكبيرة، منتجون يواصلون تطوير أفلام جديدة. فيما تحاول الصناعة نفسها استعادة مكان للسينما داخل سوق تغيّر كثيرا خلال السنوات الأخيرة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ومن أبرز هذه المشاريع فيلم “ربيع امروز” İmroz’da Bahar الذي يجمع هاليت ارغنش ومريم أوزرلي مجدداً بعد سنوات من اجتماعهما في “حريم السلطان”. ويخرج الفيلم أوزجان ألبير، وصُوّرت أحداثه في جزيرة غوكجه أدا، ومؤخرا كُشف عن أول الملصق  الترويجي له. ولا تتوقف أهمية المشروع عند شعبية بطليه، فاختيار ممثلين ارتبط اسماهما في ذاكرة الجمهور بالدراما، للعمل في فيلم سينمائي يعكس استمرار الرهان على نجوم التلفزيون في استقطاب الجمهور إلى الشاشة الكبيرة.

وفي يوليو/تموز، دخل فيلم جديد مرحلة التحضير، ليضاف إلى قائمة الأعمال التي تعكس هذا التحول في المشهد السينمائي وهو “في الطريق إلى الجنوب” Güneye Giderken من كتابة وإخراج علي أتاي وبطولة أتاي إلى جانب النجم المخضرم هالوك بيلغينر، على أن يُعرض عبر “برايم فيديو”.

المشروع يجمع بين أسماء ذات حضور سينمائي معروف ومنصة رقمية، وهو نموذج يكشف كيف لم تعد الحدود بين السينما والمنصات حادة كما كانت. ويمكن للفيلم أن يُبنى بمواصفات سينمائية، فيما يصبح وصوله إلى الجمهور مرتبطاً أيضاً بالمنصة التي تتولى عرضه.

كذلك أعاد المخرج والممثل والكاتب يلماز أردوغان فتح ملف الجزء الثالث من فيلم “فيزونتيلي” (Vizontele 3) معلناً عام 2027 موعداً لعرضه، بعد أن حققت السلسلة واحداً من أبرز النجاحات التجارية في تاريخ السينما التركية.

واللافت في حديث أردوغان أنه لم يقدم المشروع باعتباره مجرد عودة إلى سلسلة ناجحة، بل ربطه مباشرة بالحاجة إلى إعادة السينما إلى مكانتها السابقة. وتكشف هذه النبرة حجم القلق الذي يعيشه القطاع، بقدر ما تعبّر عن الرغبة في إنعاشه.

لكن كثرة المشاريع لا تعني، حتى الآن، أن الجمهور عاد فعلاً إلى الصالات. فالأرقام التركية ترسم صورة أكثر تعقيداً. ففي عام 2025، بلغ عدد رواد السينما نحو 27.7 مليون مشاهد، بانخفاض قدره 15% عن العام السابق، بينما تراجع عدد مشاهدي الأفلام التركية بنسبة 18.3%، إلى نحو 15.1 مليون مشاهد. كما انخفض عدد شاشات العرض السينمائي إلى 2161، بعدما كان أعلى بكثير في السنوات السابقة.

وهنا تبدو المفارقة، فالإنتاج يستعيد نشاطه في وقت لا تزال فيه سوق العرض السينمائي تعاني. ولم تعد المشكلة مرتبطة بقدرة المنتج التركي على صناعة الفيلم أو استقطاب الأسماء المعروفة، وإنما بقدرته على إقناع الجمهور بشراء التذاكر والعودة إلى الصالات، في وقت أصبحت فيه الأفلام والمسلسلات متاحة عبر منصات البث بعد فترة قصيرة من عرضها، وأحياناً منذ البداية.

ولم يعد هذا التحول مجرد تفصيل في الصناعة، ففي يوليو/تموز 2026 طُرح في تركيا مشروع يقضي بفرض رسم قدره 2% على خدمات البث الرقمي، على أن تخصص عائداته لدعم قطاع السينما، في محاولة لمعالجة الخلل الذي أحدثه انتقال جزء كبير من الجمهور إلى المنصات. ويأتي ذلك وسط تراجع كبير في أعداد رواد الصالات مقارنة بالفترة السابقة لجائحة كورونا، بالتزامن مع ارتفاع أسعار التذاكر وتوسع خيارات المشاهدة المنزلية.

ولم تقف الدولة متفرجة على هذا التراجع، ففي الجولة الأولى من برامج الدعم السينمائي لعام 2026، خُصص نحو 57.8 مليون ليرة لـ128 مشروعاً، شملت أفلاماً طويلة وأعمال رسوم متحركة وأفلاماً قصيرة ومشاريع لتطوير السيناريوهات، إضافة إلى تخصيص 49.25 مليون ليرة لدعم عرض الأفلام المحلية في 130 دار سينما. وفي أبريل/نيسان، أعلنت وزارة الثقافة والسياحة تقديم دعم إضافي بقيمة 245 مليون ليرة لـ57 مشروعاً. ولا تكفي هذه الأرقام وحدها للدلالة على انتعاش السوق تجارياً، لكنها تؤكد أن السينما لا تزال تحتل موقعاً واضحاً في خطط الدولة لدعم الصناعة التركية.

ويمتد هذا الدعم إلى مراحل ما قبل الإنتاج وتطوير المشروعات، فبرنامج “12 بونتو” (12 Punto) الذي تنظمه هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية “تي آر تي” (TRT) واصل عام 2026 ترسيخ مكانته منصةً لتطوير السيناريوهات والإنتاج المشترك، مستقطباً صناع سينما من تركيا وخارجها. ويؤكد البرنامج أن الصناعة لا تنظر إلى الفيلم بوصفه منتجاً جاهزاً للعرض فحسب، وإنما باعتباره ثمرة عملية متكاملة تبدأ بتطوير الفكرة والسيناريو، ثم تمتد إلى التمويل والإنتاج والتوزيع

ولا يمكن اختزال الحركة السينمائية التركية الجديدة في الأفلام التجارية وأسماء النجوم، ففي فبراير/شباط 2026، حضرت السينما التركية بقوة في مهرجان برلين السينمائي من خلال 3 أفلام طويلة، شارك اثنان منها في المسابقة الرسمية على جائزة الدب الذهبي، في حضور وصفته مجلة “فارايتي” (Variety) بأنه محطة مهمة في المسار الدولي للسينما التركية.

ولا تقتصر هذه الحركة السينمائية على عودة الأفلام التجارية إلى الواجهة، إذ يشهد مسار السينما الفنية نشاطاً موازيا، مع وصول أفلام تركية إلى المهرجانات الكبرى وحصدها الجوائز، في حين تتجه مشروعات أخرى إلى السوق الجماهيرية، مستفيدة من شعبية نجوم الدراما. وبين المسارين، تتغير طريقة صناعة الفيلم وتسويقه وعرضه، بعدما دخلت المنصات العالمية على خط الإنتاج والتوزيع، فاتحةً أمام السينما التركية فرصا جديدة للوصول إلى جمهور يتجاوز حدود السوق المحلية.

وتحمل عودة بعض النجوم الذين صنعوا شهرتهم في الدراما إلى السينما دلالة على هذا التغير، فأسماء مثل هاليت أرغنتش ومريم أوزرلي وهالوك بيلغينر وعلي أتاي ويلماز أردوغان لا تؤدي فقط دوراً في رفع سقف التوقعات التسويقية، بل تعكس أيضاً محاولة للاستفادة من الرصيد الجماهيري الذي صنعته الدراما وإعادة توجيهه نحو السينما.

لكن نجاح هذه المعادلة سيتوقف، في النهاية، على الفيلم نفسه، وقدرته على تقديم تجربة تستحق الخروج من المنزل والتفوق على سهولة المشاهدة التي توفرها المنصات.

ولذلك، من المبكر اعتبار ما يحدث انتعاشا سينمائيا كاملا، لكنه يعكس بالتأكيد تجددا في الاهتمام بالفيلم التركي. ويبقى نجاح هذه الحركة مرهونا بقدرتها على الوصول إلى الجمهور واستعادة مكانة الفيلم داخل دور العرض، في ظل المنافسة المتزايدة مع المنصات. فالصناعة تستعد لمعركة أكثر صعوبة: إقناع الجمهور بأن الفيلم تجربة تستحق أن تُعاش في قاعة السينما، وليس مجرد محتوى آخر يمكن تأجيل مشاهدته حتى يصل إلى شاشة المنزل.