رحلت، الأسبوع الفائت، عن 80 عاماً أيقونة غناء الكونتري الأميركية دوللي بارتون (Dolly Parton). ومن آثارها الأكثر رسوخاً في الذاكرة الجمعية أغنية “سأحبك دوماً” (I Will Always Love You)، التي غنّتها لشريكها الفني السابق بورتر واغنر، فطلب أن يتولّى إنتاجها.

تصدّرت الأغنية قائمة أغاني الكونتري سنة 1974، ثم حظيت بانتشار عالمي عابر للحدود حين أعادت مغنّية الآر آند بي ويتني هيوستن تسجيلها ضمن الموسيقى التصويرية لفيلم “الحارس الشخصي” (The Bodyguard) سنة 1992.

كما أن دوللي بارتون تمثّل أيقونةً مجتمعية نظراً إلى تجسيدها، من خلال سيرتها الذاتية ومشوارها الفني، “الحلم الأميركي”، بصعودها المثير للإعجاب من قاع الفقر إلى قمّة الثراء والشهرة. مثلها مثل إلفيس بريسلي وتينا تيرنر، تجاوز أثرها حدود البصمة الفنية الدامغة، لتتحوّل إلى أسطورة شخصية تؤكّد للرأي العام صدق الوعد الذي قدّمه النظام الرأسمالي الليبرالي، وتعزّز في المخيال المحلّي، على اختلاف الشرائح والطبقات، تصوّرَ توفّر الفرصة أمام الجميع للارتقاء على سلّم النجاح المادي والمعنوي.

ومن أشدّ القصص الشخصية تأثيراً في هذا السياق، في وعي صاحبة بارتون وفي تشكّل سيرتها الذاتية والفنية، قصةُ معطفها متعدّد الألوان. كانت بارتون، المولودة لأب مزارع فقيرٍ وأمٍّ مدبّرة لشؤون المنزل ومربّية لاثني عشر طفلاً، قد قضت طفولتها في كوخ صغير بجبال سموكي في ولاية تينيسي.

وبغية درء برد الشتاء الجبلي القارس، وبحكم الفاقة وضيق اليد، جمعت والدتها خِرَقاً ملوّنةً من ثياب قديمة بالية، وجلست تخيط لها معطفاً، ثم قدّمته إليها مصحوباً بقصة بديعة ستصنع الابنة منها، في ما بعد، واحدةً من أنجح أغانيها وأوسعها انتشاراً.

أخبرت الوالدة ابنتها أن معطفها، ذا التصميم الغريب والرُّقَع الملوّنة، يشبه قميص يوسف. ففي سفر التكوين، كان النبي يوسف أحد أبناء النبي يعقوب الاثني عشر، وقد خصّه أبوه بقدر من المحبّة فاق سائر إخوته، وتعبيراً عن ذلك، صنع له، بحسب النص التوراتي، “ثوباً فاخراً زاهياً ومميّزاً”. وقد ورد هذا الوصف في إحدى أشهر ترجماته الإنكليزية بصيغة “المعطف كثير الألوان” (Coat of many colours). ومن هنا، حرص كثير من الرسومات الدينية الغربية على تجسيد يوسف مرتدياً رداءً ملوّناً ومزركشاً.

في صباح اليوم التالي، سارعت الطفلة إلى ارتداء معطفها الجديد، وذهبت إلى المدرسة فرحةً لتتباهى به أمام صديقاتها وأصدقائها. إلا أن ردات الفعل أتت صادمةً؛ إذ ما إن شاهدها الأولاد حتى ضحكوا على ما ترتديه، وما إن سمعوا الرواية التي تقف وراءه حتى سخروا منها ومن والدتها.

ولئن كانت الحياة لا تُكتنه إلا بنظرة إلى الوراء، ولا تُعتبر إلا بالنتائج، فقد جعلت النجمة دوللي بارتون من تلك القصة في ما بعد أمثولةً تربويةً قدّمتها الأم في كيفية غرس الآباء في نفوس الأبناء الإيمان بقدرتهم على تغيير ظروفهم وتحدّي واقعهم، حتى وإن لزم الأمر تسليحهم بأساطير تمنحهم القوة الذهنية والمنعة النفسية، فتجعلهم عازمين وقادرين على تحقيق المعجزات على الصعيد الشخصي.

تخليداً للقصة، وعلى متن حافلة كانت تقلّها إلى مكان حفلتها التالية، سارعت المغنية سنة 1969، إذ راودتها الكلمات في لحظة إلهام، إلى كتابة الأغنية، في مفارقة روائية، على الوجه الخلفي لإيصال خدمة تنظيف جاف يعود إلى واحدٍ من معاطف شريكها الفني بورتر واغنر. ولا يزال الإيصال محفوظاً إلى اليوم ضمن مقتنيات متحف الفنانة الذي شيّدته بنفسها تحت اسم دولليوود (Dollywood). وفي عام 1971 حين بلغت الخامسة والعشرين من عمرها، سجّلت الأغنية لتُدرج في ألبومها الثامن الذي حمل العنوان نفسه، ولتبلغ بعد صدورها المرتبة الرابعة على قائمة بيلبورد لأغاني الكونتري. 

على الصعيد الشخصي، لطالما أشارت الفنانة إلى تلك الأغنية بوصفها أحبّ أغانيها إلى قلبها. وقبل أن يشيع الحديث اليوم ويكثر عن التروما بوصفها ركناً من أركان تكوين الشخصية الفردية والهوية الجمعيّة على حدٍ سواء، سبقت بارتن إلى اعتبارها محاولةً تعبيريّةً لشفاء الجرح العميق الناجم عن تنمّر أطفال المدرسة في واقعة المعطف، وإعادة توجيه مسار الذكرى المؤلمة من خلال إلقاء الضوء عليها، لرؤيتها من منظور النجاح في تحقيق الحلم، وعليه استخلاص معنى إيجابي منها تشاركه مع الإنسانية بنقلها من النطاق الشخصي إلى الفضاء العام عبر النص واللحن والغناء. 

كتبت دوللي بارتون “معطف من ألوان كثيرة” عام 1969 على ظهر إيصال

أما على صعيد البنية الأدبية والتصميم الموسيقي المقترن بها، فيمكن النظر إلى “معطف متعدّد الألوان” بوصفها واحدةً من أكثر تجارب بارتون إظهاراً لبراعتها في القصّ عبر كلمات الأغنية.

فمن خلال جملة مقتضبة على الغيتار، تشدّ الانتباه إلى الحكاية التي تعود بها إلى طفولتها، ثم تسرد، من دون تغيّرات في النسق الموسيقي، ليبقى في خدمة السرد، كيف خاطت الأمّ الخِرَق بعضها إلى بعض بالحبّ، لتختتم المقطع الأول بكم كانت فخورةً بما حيك لأجلها. ويتضمّن المقطع الثاني رواية النبي يوسف، وصلوات الأمّ بأن يجلب المعطف لابنتها البركة والسعادة، قبل أن تطبع على وجهها الصغير قبلةً. 

ثم تأتي اللازمة لتعزّز الدلالة العاطفية للحبكة، فيما يُسمع في الخلفية صوت آلة الأورغن الكنسية، مشيراً إلى الرابط التوراتي. وتخصّص بارتون المقطعين الثالث والرابع لتروي، على الوتيرة الموسيقية نفسها المنسوجة على المنوال نفسه من ريف الغيتار الوديع، كيف قوبلت في مدرستها بالضحك والاستهزاء وتعيير أسرتها بالفقر، معربةً عن استغرابها؛ إذ كانت قد شعرت بالغنى الناجم عن فيض الحب الذي خاطت به الأمّ كلّ رقعة من رقع المعطف. بذلك، إنما تضع كلاً من بيئة المدرسة العدائية وحنان البيت في تقابل سردي، وتُخضعهما لمفاضلة أخلاقية.

بيد أن وعد الحلم الأميركي قد أنتج، بحدّ ذاته، مفاضلةً أخلاقيةً خضع لها جميع الفقراء تحت قبّة الرأسمالية الليبرالية، على اختلاف سيرهم الذاتية وتكويناتهم البيولوجية وخلفياتهم الأسرية، وتقاطعات أقدارهم ومصائرهم: فإما أن يكونوا عازمين على تجاوز فقرهم وصعود سلّم الترقّي المادي والمعنوي، فينتسبوا بذلك إلى فئة من حقّق الحلم وفق منطق الجدارة (Meritocracy)، وهم قلّة قليلة، وإما ألا يملكوا ما يكفي من العزيمة، فيبقون في المناسيب الدنيا من الهرم الاجتماعي، وأولئك هم الأكثرية.

وهذا ما يجعل المقطع ما قبل الأخير، إذ تغنّي دوللي: “لا يكون المرء فقيراً إلا إذا اختار ذلك”، قابلاً للتأويل بوصفه حكماً قاسياً على فقير ربما لم يحظَ بأمّ مُخلصة، محبّة ومدبّرة، استطاعت أن تخيط له، من خرقٍ باليةٍ، ثوباً فخماً ومميّزاً كالذي حظي به النبي يوسف.