يصادف اليوم الأحد 30 آب/أغسطس “اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري”، وهي مناسبة لتسليط الضوء على معاناة مئات الآلاف من الأسر حول العالم التي لا تعرف مصير ذويها، بعدما انقطعت أخبارهم في حروب أو داخل سجون أو على أيدي أجهزة أمنية وجماعات مسلحة.

وتكتسب المناسبة هذا العام أهمية إضافية مع مرور 20 عامًا على اعتماد “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري” عام 2006، وهي الاتفاقية الدولية الوحيدة المخصصة بصورة مباشرة لمنع الاختفاء القسري والقضاء عليه. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت في عام 2010 يوم 30 آب/أغسطس يومًا دوليًا لضحايا الاختفاء القسري، على أن يبدأ إحياؤه رسميًا عام 2011.

لكن جذور المناسبة تعود إلى عام 1981، عندما اقترحت “الرابطة اللاتينية الأمريكية لعائلات المحتجزين والمختفين قسرًا” بمؤتمر لها في كوستاريكا، تخصيص 30 آب/أغسطس يومًا للمحتجزين والمختفين، في وقت لم يكن فيه الاختفاء القسري قد أصبح مفهومًا قانونيًا دوليًا واضحًا.

ولا يتعلق الاختفاء القسري بمجرد فقدان شخص خلال حرب أو كارثة. ففي القانون الدولي، يحدث عندما يُحرم شخص من حريته على يد الدولة أو أشخاص يتصرفون بإذن منها أو بدعمها أو موافقتها، ثم ترفض السلطات الاعتراف بمصيره أو مكان وجوده، ما يحرمه من حماية القانون.

وتكمن مأساة الجريمة في أنها لا تنتهي بالنسبة إلى العائلة حتى بعد مرور عقود؛ فغياب الجثمان أو المعلومات يحول دون معرفة ما إذا كان الشخص حيًا أم ميتًا، ويترك ذويه في حالة انتظار مفتوحة لا تنتهي.

وشهد العالم العربي خلال العقدين الأخيرين أكبر قصص الاختفاء في العالم، وتحديدا في سوريا والعراق وقطاع غزة.

موسى الصدر.. الإمام الذي خرج ولم يعد
من أشهر قصص الاختفاء في العالم العربي قصة الإمام موسى الصدر، رجل الدين الشيعي والسياسي اللبناني الذي اختفى في ليبيا في آب/أغسطس 1978، إلى جانب الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين.

كان الصدر من أبرز الشخصيات الشيعية في لبنان، ولعب دورًا سياسيًا واجتماعيًا بارزًا قبل الحرب الأهلية اللبنانية، وأسهم في تأسيس حركة “أمل”.

وتوجه إلى ليبيا بدعوة رسمية من نظام معمر القذافي، قبل أن تنقطع أخباره. ومنذ ذلك الحين لم يُحسم مصيره بصورة نهائية، وبقيت القضية واحدة من أكثر ملفات الاختفاء إثارة للجدل في لبنان والمنطقة.

وتعددت الروايات بشأن ما جرى له على مدى العقود التالية، لكن عائلته وأنصاره لم يحصلوا على إجابة نهائية تحسم مصيره.

المهدي بن بركة.. اختفاء في قلب باريس
وفي المغرب، أصبحت قضية المعارض اليساري المهدي بن بركة واحدة من أشهر قضايا الاختفاء السياسي في القرن العشرين.

ففي 29 تشرين الأول/أكتوبر 1965، اختفى بن بركة في باريس بعدما أوقفه رجال شرطة فرنسيون أمام مقهى “ليب” في شارع سان جرمان، قبل أن يُقتاد إلى مكان آخر ولا يظهر بعد ذلك.

وتناولت التحقيقات الفرنسية تورط عناصر أمن مغربية إلى جانب أشخاص فرنسيين في العملية، بينما بقي مصير بن بركة وجثمانه مجهولًا رغم مرور أكثر من ستة عقود.

وظلت القضية تلاحق العلاقات المغربية الفرنسية، وتحولت إلى نموذج بارز للاختفاء السياسي العابر للحدود.

منصور الكخيا.. جثمان داخل ثلاجةأما الدبلوماسي والسياسي الليبي السابق منصور الكخيا، الذي تحول إلى أحد أبرز معارضي نظام معمر القذافي، فقد اختفى في القاهرة عام 1993 أثناء وجوده للمشاركة في اجتماع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان.

وبقي مصيره مجهولًا قرابة عقدين، قبل أن يُعثر عام 2012 على رفاته في طرابلس، داخل ثلاجة في فيلا مرتبطة بأجهزة النظام السابق.

وأعادت القضية بعد سقوط القذافي فتح ملف المعارضين الذين اختفوا خلال سنوات حكمه، والذين لم تعرف عائلات كثير منهم مصائرهم.

اظهار أخبار متعلقة

غزة.. مأساة مستمرة للآلاف
لكن أحد أحدث فصول قضية المفقودين في العالم يرتبط بحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث اتخذت الظاهرة شكلًا مركبًا يجمع بين أشخاص يُعتقد أنهم استشهدوا تحت أنقاض منازلهم، وآخرين لم تُعرف أماكن وجودهم، وفلسطينيين اقتادتهم القوات الإسرائيلية إلى الاعتقال دون أن تتمكن عائلاتهم من معرفة مصيرهم.

وفي نيسان/أبريل 2025، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 11 ألف شخص تم الإبلاغ عن فقدانهم في قطاع غزة، وسط اعتقاد بأن عددًا كبيرًا منهم مدفون تحت الركام، في وقت أعاقت فيه كميات الدمار الهائلة ونقص المعدات الثقيلة والوقود عمليات البحث وانتشال الجثامين.

وهذا الرقم لا يعني أن جميع المفقودين “مختفون قسريًا” بالمعنى القانوني؛ إذ يشمل أشخاصًا يُعتقد أنهم قتلوا ولم تُنتشل جثامينهم، وآخرين لا يزال مصيرهم مجهولًا، إضافة إلى حالات مرتبطة بالاحتجاز.

وفي تموز/يوليو 2025، قال خبراء أمميون إن نحو 4 آلاف فلسطيني، بينهم أطفال ومسنون، كانوا مفقودين منذ بدء الحرب، مؤكدين وجود أنماط من الاختفاء القسري شملت عاملين صحيين وصحفيين وغيرهم، إلى جانب نساء وأطفال.

أما في ملف الأسرى، فقد وثقت الأمم المتحدة اعتقال فلسطينيين من غزة ونقلهم إلى أماكن احتجاز إسرائيلية دون تمكين عائلاتهم في حالات عديدة من معرفة أماكن وجودهم أو ظروف احتجازهم.

كما أعلنت منظمات فلسطينية وحقوقية أن أكثر من 90 فلسطينيًا، أكثر من نصفهم من قطاع غزة، توفوا داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ بدء الحرب.
 

العراق.. بلد يختصر كل أنواع الاختفاءيقدم العراق واحدًا من أكثر النماذج تعقيدًا في العالم لملف المفقودين، بعدما تراكمت فيه حالات الاختفاء على مدى عقود، بدءًا من عهد نظام صدام حسين، مرورًا بالغزو الأمريكي، وصولًا إلى مرحلة الجماعات المسلحة وتنظيم الدولة.

فخلال حكم صدام حسين، فُقد آلاف الأشخاص في سياقات متعددة، بينها الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، والحملات الداخلية الشهيرة، بما في ذلك عمليات الأنفال والدجيل.

وبعد الغزو الأمريكي عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من الاختفاء، مع تصاعد أعمال العنف الطائفي وعمليات الخطف والقتل التي نفذتها جماعات مسلحة ومليشيات مختلفة.

ثم اتسع الملف مجددًا مع سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من العراق منذ عام 2014، إذ اختفى آلاف الأشخاص في مناطق سيطر عليها التنظيم، بينهم أفراد من أقليات دينية وعرقية، ومقاتلون وأفراد من القوات الأمنية ومدنيون.

وتقدر جهات مختلفة أعداد المفقودين في العراق منذ عقود بما يتراوح بين 250 ألفًا ومليون شخص، وهي أرقام تعكس صعوبة الوصول إلى حصيلة نهائية في بلد شهد حروبًا متتالية ومقابر جماعية وعمليات اختفاء واحتجاز.

ولا يزال الملف مفتوحًا حتى اليوم. فقد قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها سجلت 618 حالة مفقود في العراق خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2024، وتمكنت خلال الفترة نفسها من توضيح مصير 208 أشخاص.

سوريا.. أكبر ملفات الاختفاء في المنطقة
أنتجت سوريا خلال عقود حكم عائلة الأسد ثم سنوات الحرب التي بدأت عام 2011 واحدًا من أضخم ملفات المفقودين في المنطقة والعالم.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد الأشخاص الذين لا يزالون معتقلين تعسفيًا أو مختفين قسريًا أو مجهولي المصير في سوريا 181,677 شخصًا حتى حزيران/يونيو 2026، بينهم 177,021 شخصًا مصنفين تحديدًا كمختفين قسريًا.”
 
أما الهيئة الوطنية السورية للمفقودين، التي تشكلت بعد سقوط النظام، فتقدر أن العدد الإجمالي لمن فُقدوا طوال عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد قد يتجاوز 300 ألف شخص.

وبعد سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، تحول سجن صيدنايا قرب دمشق، الذي اشتهر بين السوريين بلقب “المسلخ البشري”، إلى مقصد لعائلات تبحث عن أبنائها، وسط شهادات وتقارير عن إعدامات جماعية ومقابر جماعية استُخدمت للتخلص من جثامين المعتقلين.

وزادت عمليات العبث بالوثائق والسجلات وتدمير أجزاء من البنية التي كانت تستخدمها الأجهزة الأمنية من صعوبة تحديد مصير آلاف المعتقلين الذين لم يخرجوا أحياء ولم يُعثر على رفاتهم.

رزان زيتونة.. الاختفاء الغامض
ومن أبرز قصص الاختفاء في سوريا قضية المحامية والناشطة الحقوقية رزان زيتونة، التي اختفت في 9 كانون الأول/ديسمبر 2013 من مدينة دوما في الغوطة الشرقية، إلى جانب زوجها وائل حمادة والناشطين سميرة الخليل وناظم حمادي.

واقتحم مسلحون مكتبًا كانت تعمل فيه المجموعة، وصادروا أجهزة ووثائق قبل اقتياد الأربعة إلى جهة مجهولة، ومنذ ذلك الحين لم يظهر أي منهم.

ووجهت منظمات حقوقية أصابع الاتهام إلى “جيش الإسلام” الذي كان مسيطرا على دوما آنذاك، إلا أن الفصيل الذي كان يقوده زهران علوش نفى ذلك تماما.

الأرجنتين.. الاختفاء سياسة دولة
في أمريكا اللاتينية، ارتبط مفهوم الاختفاء القسري بصورة خاصة بما عرف باسم “الحرب القذرة” في الأرجنتين بين عامي 1976 و1983.

وخلال الحكم العسكري، اختفى آلاف الأشخاص بعد اعتقالهم ونقلهم إلى مراكز احتجاز سرية. وتقدر منظمات حقوقية أرجنتينية عدد المختفين خلال تلك الحقبة بنحو 30 ألف شخص، بينما تشير السجلات والتقديرات الرسمية إلى أرقام أقل.

وكان من أكثر فصول تلك الحقبة مأساوية اختفاء أطفال وُلدوا داخل السجون أو اختُطفوا مع آبائهم، ثم فُصلوا عن عائلاتهم وأُعطوا لأسر أخرى.

وفي مواجهة ذلك، تحولت جمعيتا “أمهات ميدان مايو” و”جدات ميدان مايو” إلى رمزين عالميين للنضال من أجل معرفة مصير المختفين واستعادة الأطفال الذين فصلوا عن عائلاتهم.

اظهار أخبار متعلقة

المكسيك.. 43 طالبًا لم يعودوا
وفي المكسيك، تحولت قضية طلاب أيوتزينابا الـ43 إلى رمز عالمي للمفقودين. ففي أيلول/سبتمبر 2014، اختفى 43 طالبًا من كلية إعداد المعلمين في أيوتزينابا بولاية غيريرو بعد اعتراض حافلاتهم من جانب الشرطة المحلية، وسط اتهامات بتورط مسؤولين محليين وجماعة إجرامية في تسليم الطلاب إلى عصابة “غيريروس أونيدوس”.

وأثارت القضية احتجاجات ضخمة داخل المكسيك وخارجها، فيما بقي مصير معظم الطلاب غير محسوم، رغم العثور على رفات تعود إلى بعضهم وفق فحوص الحمض النووي.

الأويغور.. اختفاء داخل منظومة الاحتجاز
وفي الصين، أخذ الاختفاء شكلًا مختلفًا في إقليم شينجيانغ، حيث وثقت منظمات حقوقية حالات اعتقال واسعة داخل أقلية الأويغور المسلمة، شملت أكاديميين وفنانين وشخصيات دينية ومدنية.

وتقول منظمات حقوقية إن عائلات كثيرة، خصوصًا المقيمة خارج الصين، عجزت لفترات طويلة عن معرفة أماكن وجود أقاربها أو التواصل معهم، فيما توثق منظمة العفو الدولية حالات فردية لأشخاص احتُجزوا واختفت أخبارهم داخل منظومة الاحتجاز الصينية.

وتنفي السلطات الصينية اتهامات الانتهاكات الواسعة، وتقول إن الإجراءات في شينجيانغ تستهدف مكافحة الإرهاب والتطرف وتعزيز التدريب المهني.